إن صناعة الفتوى تعني تلك الملكة الراسخة وذلك العلم المنهجي الموضوعي الواقعي الذي يقتدر به المفتي الحقيقي على إخبار السائل عن حكم الشرع بدليله في نازلة من النوازل إخبارًا يمكنه من تمثل ذلك الحكم، والصدور عنه في ضوء الواقع الذي يعيش فيه ولا سبيل إلى جودة هذه الصناعة وسدادها ما لم يتمكن صانعها من أدواتها، وما لم يلتزم بضوابطها، ويتحلى بآدابها ولعلي استقي هنا من مضبطة السنة النبوية هذه الروايه التي تشير إلى ضرورة فهم الوقائع بلا تسرع وسعة الأفق في فهم أحداثها وإعطاء الدليل اليقيني الذي لا يحتمل الشك أو التأويل فتحدثنا بعض كتب الحديث أن زوجة صفوان بن المعطل ذهبت تشتكي زوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلة:
يضربني إذا صليت!
ويفطرني إذا صمت!
ولا يصلي الفجر إلا إذا طلعت الشمس!
تهم قاسيه وجهتها زوجة الصحابي الجليل ولو أخذت على معناها الظاهري لأطاحت به من الإسلام ولاستحق عقاب الله عز وجل ولنزل فيه وحي يذمه إلى قيام الساعه!
ولكن أنظر إلى الحليم الرحيم المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم
ومن حسن حظ ابن المعطل أنه كان موجودا عند النبي حين ذهبت زوجته تشكوه إليه، فطلب منه النبي، صلوات الله وسلامه عليه، الدفع عن نفسه!
فقال ابن المعطل:
ـ أما قولها: “يضربني إذا صليت”!
فإنها تقرأ بسورتينِ، وقد نهيتها …
ليقرر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل بساطة: “لو كانت سورة واحدة لكفت الناس”!
ثم كان رد ابن المعطل عليها:
ـ وأما قولها: “يُفطرني إذ صمت”؛ فإنها تنطلق فتصوم على الدوام!
فحكم النبي، صلوات الله وسلامه عليه، أيضا لصالح ابن المعطل قائلا:
ـ لا تصوم امرأة تطوعا إلا بإذن زوجها …
ثم يواصل صفوان الدفاع عن نفسه
قائلا:وأما قولها: “إني لا أصلي حتى تطلع الشمس”؛ فإنا أهل بيت قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس.
هل نهر النبي ابن المعطل ونهاه عن تأخير صلاة الفجر دونما سبب قاهر؟ فالرجل لم يؤخرها عن وقتها إلا للنوم!
فهل اتهمه بأنه تارك للصلاة، أو مرتكب كبيرة، وعلى شفا حفرة من الكفرمطلقا؟
كلا بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا استيقظتَ فصلِّ”!
تخيل لو عرضت مثل هذه الشكوى على أي من المتطفلين على حقل الدعوة وهم دعاة على أبواب جهنم وما أكثرهم في زماننا الأغبر ترى ماذا كان سيجيب أمثال هؤلاء المتنطعين؟
بالطبع كان سيحكم على الزوج بالكفر الصريح ويخرجه من الملة والدين وبالتالي سيقع الطلاق والخراب وتشريد الأبناء وضياع الأسره وهلم جرا من الويلات!
وهذا يعلمنا أن حرفية المفتي هي المهارة العالية والقدرة الدقيقة على صناعة الفتوى وفهم واقع الناس و تعني هذه الحرفية تجاوز النقل الحرفي للنصوص إلى إدراك مقاصد الناس ومقاصد الشريعة والقدرة على تطبيق الحكم الشرعي المناسب لكل حالة بدون تسرع أو جهل وأن التسرع في إطلاق الأحكام على الآخرين آفة كبيره تهدم المجتمعات كالنار في الهشيم تأكل الأخضر واليابس!
اقرأ أيضا: الحدود الدنيا للجامعات الخاصة والأهلية 2026 .. تفاصيل تنسيق القبول والكليات المتاحة