عمرو الخياط يكتب: حوار عن الوطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فى مساءٍ هادئ، كان المقهى الشعبى مزدحمًا كعادته؛ ضجيج خفيف، شاى يُصبّ، وأحاديث لا تنتهى عن الغلاء

اقرأ أيضا: الزوراء العراقي يعلن ضم محمد شريف

والعمل. فى ركن قريب جلس ثلاثة شباب فى أواخر العشرينات، تبدو على وجوههم ملامح القلق، وبجوارهم رجل

سبعينى هادئ يراقب بصمت.

فجأة قال أحد الشباب بانفعال:

إحنا مش عارفين نعيش! الأسعار بتجري، والشغل مش ثابت… إحنا عايزين نعيش النهاردة وبس!

ابتسم الرجل بهدوء وقال:

«ومن حقكم تعيشوا النهاردة… لكن كمان من حقكم تسألوا: إحنا جايين منين ورايحين فين؟»

تدخل شاب آخر:

«يعنى نستحمل وخلاص؟»

رد الرجل:

«لا.. اسألوا وانتقدوا واطلبوا حقكم… بس من غير ما تفقدوا الثقة فى كل حاجة.. النقد غير اليأس».

ساد صمت قصير، قبل أن يكمل:

«مصر خلال 15 سنة عدّت بثورتين، أزمات، إرهاب، كورونا، واضطرابات حوالين المنطقة… ومع ذلك البلد ما وقعتش».

رد أحد الشباب بسرعة:

«بس المواطن بيحاسب على كل ده»

ابتسم الرجل:

«طبعًا.. لكن الاقتصاد مش جيبك بس… ده طرق، وموانئ، وكهرباء، ومدن، ومصانع.. دى أساسات بتبان قيمتها مع الوقت».

وأشار الشاب:

«زى الطرق والعاصمة الجديدة؟»

أجاب:

«بالضبط. دى مش مباني… دى مستقبل. ومن حقك تسأل عن الأولويات، لكن لازم تشوف الصورة كاملة».

تدخل شاب ثالث:

«بس إحنا جيلنا مطلوب منه يضحي؟»

تنهد الرجل:

«كل جيل له معركته. جيلنا حارب، وجيلكم معركته وعي، وعلم، وإنتاج… وأهم حاجة: مقاومة اليأس».

ثم ارتشف رشفة من فنجان الشاى الذى أمامه وقال

«وحب الوطن مش سكوت… حب الوطن إنك تصلح وتنتقد وتشارك، من غير ما تهدمه».

قال أحدهم:

«السوشيال ميديا بتقول إن مفيش أمل».

ضحك الرجل:

«دى أخطر حاجة. النهاردة الحرب ممكن تبدأ بكلمة. الوعى إنك تسأل: مين قال؟ وليه؟»

ثم قال بهدوء:

«أخطر من المشاكل… إن الناس تفقد الإيمان إن فى حل».

سأله شاب:

«وحضرتك متفائل؟»

اقرأ أيضا: فيديوهات الرقص المثير تقود صانعة محتوى لقفص الاتهام 

أجاب:

«مش سذاجة… أنا شفت البلد دى بتقع وتقوم أكتر من مرة. كل مرة كان فى ناس بتقول انتهينا… وبنقوم تاني».
ثم أضاف:

«الوطن مش حكومة بس… الوطن إحنا. لو كل واحد بقى متفرج، نخسر. ولو كل واحد شارك، نكسب».
قال الشاب الأول:

«يعنى نصبر؟»

رد الرجل بحسم هادئ:

«نصبر ونشتغل ونحاسب وننتقد ونحلم. الصبر وحده مش كفاية، والعمل وحده مش كفاية، والوعى من غير انتماء كلام فى الهوا».

فى تلك اللحظة جاء عامل المقهى بالحساب. دفع الرجل ونهض ببطء، ثم التفت إليهم قبل أن يغادر:
«مش مطلوب تحبوا الظروف الصعبة… لكن أوعوا تكرهوا بلدكم بسببها. مصر مش لحظتها دي… مصر تاريخ وحاضر ومستقبل».

سأله أحد الشباب بابتسامة:

«ومين هيكتب المستقبل؟»

أشار إليهم جميعًا وقال:

«انتوا».

وغادر.

بقى الشباب صامتين، لكن الصمت هذه المرة كان مختلفًا… أقل شكوي، وأكثر تفكيرًا.

لم تتغير الأسعار فى تلك اللحظة، ولم تختفِ المشاكل، لكن شيئًا تغيّر داخلهم:

أن الوطن لا يُقاس بلحظة، بل بمسار طويل من الصبر والعمل.

ويبقى السؤال معلقًا:

هل نكتفى بالشكوي… أم نبدأ فى صناعة الغد؟

اقرأ أيضا: مصرع وإصابة 6 أشخاص في حادث انقلاب سيارة ميكروباص بأكتوبر

‫0 تعليق

اترك تعليقاً