Published On 14/8/2026
|
آخر تحديث: 18:56 (توقيت مكة)
رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفضا قاطعا وصريحا، خطة السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن غزة.
شكلت هذه الخطة المرحلة الثانية من الخطة الشاملة التي أعلن عنها ترمب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وقد تضمنت المرحلة الأولى وقفا لإطلاق النار، يتبعه إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين، وأيضا الأسرى الفلسطينيين.
ونُفذت هذه المرحلة، على الرغم من عدم احترام وقف إطلاق النار فعليا منذ ذلك الحين؛ إذ سُجل قتل أكثر من ألف شخص، واستمرت هجمات الطائرات المسيرة، واغتيل قادة من حركة حماس، فضلا عن مدنيين كان حظهم العاثر تواجدهم في الجوار فحسب.
وأراد الرئيس الأمريكي الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تنص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة ونزع سلاح حركة حماس تدريجيا، لا سيما أسلحتها الثقيلة، مع السماح لها في نهاية المطاف بالاحتفاظ بأسلحة مخصصة لمهام الشرطة.
ولئن قبلت حماس بهذه الخطة، فقد قوبلت برفض بنيامين نتنياهو، الذي صرح بأنه يكن تقديرا كبيرا لدونالد ترمب ويثق به، وبأن الأخير يقدم مقترحات جيدة جدا، إلا أن بعضها ليس كذلك، وفي هذه الحالة يحق لإسرائيل رفضها.
يكمن الخطر الحقيقي بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي في فقدان دعم الوزيرين المتطرفين الفاشيين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين يعارضان تماما أي انسحاب من غزة، وأي تنازل يُقدم للفلسطينيين، بل ويطمحان إلى إعادة استيطان غزة
ويخاطر بنيامين نتنياهو -إذن- بإغضاب دونالد ترمب جراء عرقلته تنفيذ خطته. إذ يسعى الرئيس الأمريكي إلى فرض نفسه كزعيم أنهى الصراع في الشرق الأوسط، وهو إنجاز لم ينجح أي من أسلافه في تحقيقه.
وتبرز هنا الأهمية التي يوليها لتمييز نفسه عن سابقيه، خاصة في وقت تتراكم فيه إخفاقاته في السياسة الخارجية، لا سيما في منطقة الخليج وفي مواجهة إيران، وإن كان يسجل بعض النجاحات في أمريكا اللاتينية.
فكيف سيكون رد فعله؟ وهل سيمارس ضغوطا؟ وهل سيصل به الأمر إلى حد وقف إرسال المساعدات العسكرية لإسرائيل؟
يتحمل بنيامين نتنياهو هذا الخطر. غير أن مغبة إغضاب ترمب تظل محدودة في نظره، إذ يرى أن اللوبي المؤيد لإسرائيل سيعمل لصالحه في نهاية المطاف، وأن الرئيس الأمريكي سيبقى بطبيعته ميالا لدعم إسرائيل.
ويكمن الخطر الحقيقي بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي في فقدان دعم الوزيرين المتطرفين الفاشيين، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين يعارضان تماما أي انسحاب من غزة، وأي تنازل يُقدم للفلسطينيين، بل ويطمحان إلى إعادة استيطان غزة.
ويزيد كل يوم يمر من صعوبة إقامة دولة فلسطينية، بل ويجعلها شبه مستحيلة. وقد صرح بنيامين نتنياهو بمعارضته الشديدة لذلك، وهو موقف تشاطره إياه الأغلبية الساحقة من الطبقة السياسية الإسرائيلية؛ إذ يرفض أيضا معارضوه على الصعيد الداخلي فكرة إقامة دولة فلسطينية.
وتجسد الأوضاع في غزة هذا المسار. فقد أضحت ظروف الحياة هناك شبه مستحيلة؛ حيث دُمرت 91% من المساكن، شأنها في ذلك شأن جزء كبير من البنية التحتية الصحية، والتعليمية، والاستشفائية، والطبية. ويُضاف إلى ذلك تفشي القوارض وارتفاع درجات الحرارة. وتحولت غزة بذلك إلى مستنقع حقيقي، حيث باتت ظروف العيش بالغة القسوة، بل ومستحيلة.
اقرأ أيضا: تحليل: مجتبى خامنئي يخطط لحرب طويلة ولينكولن تدفع ثمن الاستنزاف | سياسة
ونشهد بالتالي خنقا تدريجيا للسكان الفلسطينيين. ويعيش الغزيون تحت التهديد الدائم بالموت، راضخين للتحليق المستمر للطائرات المسيرة وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية مرهقة. وتستهدف هذه الطائرات قادة حماس وفقا لإسرائيل، غير أن العديد من المدنيين يُقتلون أيضا. وقُتل على وجه الخصوص 300 طفل، يصعب تخيل أنهم كانوا نشطاء في حماس، وذلك منذ إقرار وقف إطلاق النار الذي لم يبق منه سوى الاسم.
وتُعول إسرائيل على سأم الرأي العام، وعلى سلبية معظم الحكومات وتقاعسها التام، على الرغم من إطلاقها دعوات لخطط سلام لا تُنفذ أبدا. ولا يزال أولئك الذين يسعون فعليا للدفع بقضية السلام إلى الأمام قلة قليلة.
يبدو بنيامين نتنياهو مقتنعا بأن يديه طليقتان، وأنه لن يعترضه أحد، وأنه يقضي تدريجيا على مجرد فكرة إمكانية إقامة دولة فلسطينية
ويتمثل الهدف في غزة في دفع السكان نحو اليأس، بحيث يقرر العديد من الغزيين مغادرة القطاع متى ما لاحت لهم أي فرصة للخروج. وينسحب هذا الوضع أيضا على الضفة الغربية، حيث تمر انتهاكات المستوطنين دون عقاب، بل وتُشجع أحيانا من قبل الجيش الذي يشارك بدوره في هذه الأعمال. وقد صرح بعض المستوطنين للفلسطينيين قائلين: “سنقبل بكم إذا زحفتم أمامنا، وإلا فلترحلوا أو تُقتلوا”.
ويمر إفراغ الضفة الغربية وغزة من سكانهما عبر بث اليأس، وقتل الأبرياء في عمليات القصف، والتضييق عليهم لدفعهم إلى الرحيل.
ويبرز أيضا بُعد جديد يتمثل في إعاقة الولادات. ومنذ يناير/ كانون الثاني 2024، طالبت محكمة العدل الدولية إسرائيل بعدم اتخاذ تدابير تهدف إلى منع الولادات في صفوف الفلسطينيين، وهو فعل يمكن أن يسهم في توصيف ما يحدث كإبادة جماعية.
وتتحقق هذه الإعاقة للولادات بشكل خاص عبر تدمير البنية التحتية الطبية وتدهور الظروف المعيشية. ويترافق انخفاض معدلات المواليد في غزة مع ارتفاع حالات الإجهاض وزيادة أعداد الأطفال الموتى عند الولادة، ويُعزى ذلك جزئيا إلى أن ما تبقى من البنية التحتية المحدودة لا يقع بالقرب من النساء الحوامل. وفقدت العديد من النساء أطفالهن أثناء محاولتهن الوصول إلى منشأة طبية.
ولم يعد بإمكانهن الذهاب إليها بالسيارات نظرا لانعدام المركبات المتاحة، مما يضطرهن للذهاب سيرا على الأقدام، الأمر الذي يسهم في تفاقم حالات الإجهاض. وتشكل هذه الممارسات طريقة أخرى لخنق الفلسطينيين: إما بقتلهم، أو بمنع ولادتهم.
ويُخشى أن تظل الحكومات مكتوفة الأيدي تماما إزاء ما يحدث في غزة، رغم التحذيرات التي تطلقها العديد من المنظمات غير الحكومية، والمثقفين، والجهات الفاعلة الأخرى. ويبدو بنيامين نتنياهو مقتنعا بأن يديه طليقتان، وأنه لن يعترضه أحد، وأنه يقضي تدريجيا على مجرد فكرة إمكانية إقامة دولة فلسطينية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: هل يعيد ترمب حاملات الطائرات إلى عصر المنجنيق البخاري؟ | أخبار
