الإسماعيلية – فتحي البيومي
اقرأ أيضا: ختام معسكر الفوج الأول لحكام الممتاز «ب».. واستمرار إعداد المحترفين
في ركن هادئ، بعيدًا عن ضجيج الموانئ وصخب الأسواق، يجلس ممسكا بإبرة الغزل وخيوط النايلون، تتحرك يداه بخفة اكتسبها عبر عشرات السنين، بينما تنساب الخيوط بين أصابعه في دقة مدهشة لتتشابك خيطا فوق آخر، وكأنها تعزف لحنا قديما لا يعرفه إلا أصحاب هذه المهنة، لا يحتاج الرجل إلى قياس أو آلة حديثة، فذاكرته وخبرته وحدهما كفيلتان بتحويل مجموعة من الخيوط إلى شبكة صيد متقنة، كانت يوما السلاح الأول للصيادين ورأس مالهم الحقيقي في مواجهة البحر.
غزل شباك الصيد ليس مجرد حرفة يدوية، بل مهنة توارثتها الأجيال، ارتبطت بتاريخ المدن الساحلية والبحيرات المصرية، وشكلت لعقود طويلة جزءا أصيلا من حياة الصيادين الذين اعتمدوا على جودة هذه الشباك في تأمين أرزاقهم، وكانت الورش الصغيرة تعج بالحرفيين الذين يقضون ساعات طويلة في نسج الشباك وصيانتها، حتى أصبحت تلك المهنة عنوانا للإتقان والصبر والخبرة.
◄ 40 عامًا بين الخيط والبحر
يقول الحاج علي رجب، إنه أمضى 40 عامًا في صناعة غزل الصيد، وهي المهنة التي تعلم خلالها أسرار البحر والحرف المرتبطة به، حتى أصبحت لديه القدرة على تحديد نوع الشبكة المناسبة لكل وسيلة صيد، ويوضح أن رحلة التصنيع تبدأ بوصول الخيوط من المصانع في صورة كتل كبيرة، ثم يتم فرزها وتجهيزها قبل تحويلها يدويا إلى شباك صيد بمقاسات ومواصفات مختلفة، وفقا لطبيعة الصيد والغرض الذي ستستخدم من أجله.
ويشير إلى أن الغزل يتنوع إلى عدة أنواع، من بينها الغزل الأحمر وغزل الشعر، ولكل نوع خصائصه واستخداماته التي تتناسب مع أنواع معينة من الأسماك وطرق الصيد، مؤكدا أن اختلاف سمك الخيط واتساع فتحات الشبكة ليس أمرا عشوائيا، وإنما يخضع لخبرة طويلة ومعايير دقيقة لضمان كفاءة الشبكة وقدرتها على تحمل ظروف العمل في البحر، وهو ما يجعل هذه الحرفة من المهن التي تعتمد على المهارة والخبرة المتوارثة أكثر من اعتمادها على الآلات.
◄ الخيوط.. أساس جودة شباك الصيد
ويقول “عم رجب” إن اختيار نوع الخيط يعد من أهم مراحل صناعة غزل شباك الصيد، موضحا أن هناك أنواعا متعددة تستخدم وفقا لطبيعة الاستخدام، من أبرزها خيوط النايلون التي تتميز بالقوة والمرونة ومقاومة المياه، إلى جانب الحرير الطبيعي الذي يستخدم في بعض الأنواع، والبوليستر المعروف بقدرته على تحمل الظروف البحرية، بالإضافة إلى الشعر البلاستيكي المستخدم في بعض تطبيقات الصيد، وأضاف أن لكل نوع من هذه الخيوط خصائصه التي تحدد مدى ملاءمته لنوع الأسماك المستهدفة وطبيعة المسطح المائي، وهو ما يجعل اختيار الخيط المناسب خطوة أساسية لضمان كفاءة الشباك وإطالة عمرها الافتراضي
◄ لكل سمكة غزلها الخاص
ويؤكد “رجب” أن صناعة غزل شباك الصيد تعتمد في المقام الأول على نوع الأسماك المستهدفة، فلكل نوع شبكة بتصميم ومقاسات مختلفة تناسب طريقة صيده. ويشير إلى أن غزل أسماك السجانة يختلف تماما عن غزل البوري أو السهلية أو الجمبري، سواء في حجم فتحات الشبكة أو سمك الخيوط وطريقة النسج. وأضاف أن المواد المستخدمة في صناعة الغزل تختلف أيضا من نوع إلى آخر، ويتم اختيارها بعناية لضمان قوة الشبكة وكفاءتها وقدرتها على تحمل ظروف الصيد المختلفة، بما يحقق أفضل النتائج للصيادين.
◄ إبرة وسكينة.. أدوات بسيطة وخبرة تمتد لسنوات
ويقول “رجب” إن صناعة غزل شباك الصيد تعتمد على أدوات بسيطة للغاية، تتمثل في الإبرة والسكينة فقط، إلا أن إتقان استخدامها يحتاج إلى سنوات طويلة من الخبرة والممارسة، موضحًا أن الإبر ليست من نوع واحد، بل تختلف أحجامها وفقا لنوع الغزل المطلوب، فهناك إبر صغيرة تستخدم في صناعة الشباك ذات الفتحات الضيقة، بينما تستخدم الإبر الكبيرة في الغزل واسع الفتحات، بما يتناسب مع طبيعة كل شبكة.
اقرأ ايضا| صيد الأسماك في مصر القديمة.. رحلة عبر أقدم الحرف الإنسانية
وأضاف أن اختيار الإبرة المناسبة يعد جزءا أساسيا من عملية التصنيع، لأن لكل نوع من الأسماك شبكة خاصة به تختلف في تصميمها ومقاس فتحاتها ونوعية الخيوط المستخدمة فيها. فشبكة صيد سمكة اللوت، التي تتميز بكبر حجمها، تختلف تماما عن شباك صيد السهلية أو الجمبري، والتي تحتاج إلى فتحات أصغر ودقة أكبر في النسج حتى تؤدي الغرض المطلوب، مؤكدًا أن نجاح صانع الغزل لا يعتمد على الأدوات وحدها، وإنما على خبرته في اختيار المقاسات المناسبة وتنفيذها بدقة، لأن أي خطأ بسيط في حجم الفتحات قد يؤثر على كفاءة الشبكة أثناء الصيد.

◄ حرفة مستمرة رغم تطور الصناعة
ويؤكد “رجب” أن مهنة صناعة غزل شباك الصيد لا تزال تحافظ على أهميتها، ولم تتأثر بوجود المصانع، موضحا أن دور المصنع يقتصر على إنتاج الخيوط فقط، بينما تظل عملية تصميم وتجهيز شباك الصيد وفقا لاحتياجات الصيادين عملا يعتمد على خبرة صانع الغزل. ويضيف أن لكل صياد متطلبات خاصة تختلف باختلاف نوع الأسماك وطبيعة مناطق الصيد، وهو ما لا تستطيع المصانع توفيره في صورة موحدة.
وأشار إلى أن هناك شباكا تصمم لتطفو على سطح المياه من خلال تثبيت قطع الفل على أطرافها، بينما توجد أنواع أخرى معدة للغوص إلى الأعماق، ويتم تجهيزها بإضافة قطع من الرصاص حتى تستقر أسفل المياه. كما تختلف مقاسات فتحات الغزل وطول الشبكة وعرضها ونوعية الخيوط المستخدمة من حالة إلى أخرى، وفقا لطبيعة الصيد والغرض المطلوب.

وأضاف “رجب” أن هذه التفاصيل الدقيقة تحتاج إلى خبرة عملية لا تتوافر إلا لدى صناع الغزل، ولذلك لا يشعر العاملون في المهنة بالقلق من وجود شباك أو غزل جاهز، لأن المصنع لا يقدم المنتج النهائي بالمواصفات التي يطلبها الصياد، وإنما يوفر الخامات فقط، بينما تبقى عملية التصنيع والتجهيز والتفصيل مسؤولية صانع الغزل، وهو ما يضمن استمرار هذه الحرفة وحفاظها على مكانتها بين المهن المرتبطة بالبحر والصيد.
اقرأ أيضا: اليوم .. اتحاد المهن الطبية يصرف معاشات أغسطس لـ133 ألف مستفيد
