Published On 4/9/2026
اقرأ أيضا: ”الكتلة السوداء”.. سلاح واشنطن الجديد لكسر الاحتكار الصيني | تكنولوجيا
|
آخر تحديث: 15:24 (توقيت مكة)
طهران – يشكو الموظف الحكومي الإيراني شايان ذو الـ48 عاما من ارتفاع كلفة المعيشة واتساع الهوة بين قيمة الريال وسعر الصرف قائلا إن النفقات يتم تسديها وفق تقلبات سعر الدولار بينما يأتي الراتب بالريال الإيراني، أما الشركات وأصحاب الأعمال فهم يشترون المواد الأولية من المواطن بالعملة الوطنية لكنهم يسعرون منتجاتهم على أساس معادلتها بالعملة الصعبة، وهو ما يجعل الناس يتحملون ضررا مضاعفا، على حد تعبيره.
وليست كلمات شايان سوى اختصار لمأزق يعيشه ملايين الإيرانيين جراء تحول الانفصام بين عملة الدخل وعملة الإنفاق إلى مصنع فقر لا يتوقف عن الإنتاج اليومي، حيث يفقد الريال الإيراني جزءا من قيمته مقابل الدولار الأمريكي، وتتخلف الرواتب التي تُحدد مطلع السنة الفارسية (تبدأ في 21 مارس/آذار) باستمرار عن ركب التضخم المستفحل.
وبينما كان شايان يتأمل ثمن غسالة حديثة محلية الصنع، يعود إلى حديثه مع الجزيرة نت، ويقول: “منذ وقف إطلاق النار في حرب رمضان وحتى اليوم ارتفعت قيمة العملة الخضراء من نحو مليون و550 ألف ريال إيراني إلى أكثر من مليونين و100 ألف ريال.. أما راتبي، فلم يتغير منذ ذلك الحين، إذ إن زيادته لم تتجاوز 20% مقارنة بالعام الماضي، بينما التضخم تجاوز 100%… عمليا، نحن والعديد من زملائي سقطنا من الطبقة المتوسطة إلى تحت عتبة الفقر. من يحاسب على هذا؟ من يرد لنا ما ضاع؟”.

مطاردة الأسعار
في جولة ميدانية للجزيرة نت في شوارع العاصمة الإيرانية طهران، لم يكن السؤال الذي طرحناه على المارة بحاجة إلى تمهيد، فقد كان يلامس هواجسهم اليومية: “كيف تعيش بين عملة تكسبها بالريال وتكاليف تسددها وفقا لسعر الدولار؟”، وجاءت الإجابات متنوعة في التفاصيل، لكنها التقت عند نقطة واحدة “نعمل بعملة تحتضر وننفق بعملة لا ترحم”.
وتقول امرأة ستينية تدعى آمنة وهي تجلس على مقعد حجري في حديقة عامة: “الارتفاع الأخير في سعر الدولار أثبت للمرة المئة مدى ارتباط أسعار السلع في إيران بسعر الدولار الذي هو عملة دولة نعتبرها خصما”، مضيفة أنه إذا كانت كل الأسعار تُقيّم بالدولار ويتحتم على المواطن التسديد بما يعادل سعر الصرف، فما المانع من أن تدفع الأجور بالدولار أيضا؟ لماذا المواطن يبقى عالقا في الريال بينما كل ما حوله يسبح في الدولار؟
وخلصت في حديثها للجزيرة نت إلى أنه “حتى تُحل معادلة الريال والدولار، وتتحد عملة الدخل مع عملة الإنفاق، سيستمر الوضع الاقتصادي المتردي، وسيبقى التضخم والفقر والبطالة قدرا لا مفر منه، بينما تذهب أرباح هذه المعادلة إلى فئة قليلة تعرف كيف تربح من هذه الفوضى”، على حد قولها.
من جانبه، يقدم الشاب ساميار (23 عاما)، وهو طالب في كلية الاقتصاد بجامعة آزاد الإسلامية، صورة من داخل بيته فيوضح للجزيرة نت: “في منزلنا، فور تسلّم راتبي الوالدين نقسمهما بسرعة: جزء للمصاريف الثابتة، وجزء للمشتريات الضرورية، وكل ذلك قبل أن يرتفع سعر الدولار خلال أيام قليلة فيرفع بدوره أسعار السلع الأخرى. وإذا تبقى شيء من الراتبين، نسارع إلى تحويله إلى الدولار. هذه هي الطريقة الوحيدة التي نحافظ بها على قيمة أموالنا.. في الواقع نحن لا نعيش، بل نطارد الأسعار”.
الدولرة
أما زميله في الجامعة بدرام (22 عاما) فيعتبر أن ما ذهب إليه ساميار ليس مجرد حسابات يومية، بل مؤشر على “حالة القلق المزمن الذي يرافقنا في كل مفاصل الحياة.. فحتى عندما نذهب إلى السوق نجد أن الأسعار قد تتغير بين الصباح والمساء بحسب تقلبات سعر الصرف في السوق السوداء البتة. وعلى الرغم من أن الموظف يحصل على راتبه نهاية الشهر، فإنه يعيش طواله في انتظار ذلك اليوم ليهرع إلى تثبيت قيمة أمواله سواء باقتناء حاجات المنزل لا سيما السلع الأساسية التي لا تفسد سريعا أو بشراء الدولار أو الذهب أو بأي وسيلة ممكنة أخرى”.
ويستدرك بدرام، خلال حديثه للجزيرة نت قائلا: “ما يزيد الطين بلة أن هذه العملات الصعبة التي نحتمي بها قد تنهار بين ليلة وضحاها جراء نشر تقارير عن عقد مفاوضات أو دخول وساطات جديدة على خط نزع التوتر بين طهران وواشنطن، مما يجعل المواطن يعيش حالة قلق مزدوجة “، مؤكدا أن الشراء الفعلي بالريال أصبح مرهونا بسعر اللحظة التي يقف فيها المرء أمام الصراف فتسعّر السلع وفق تلك القيمة.
وفي ركن آخر من المدينة، تبدو مهتاب (50 عاما) وهي موظفة وأم لولد وبنت، غاضبة أكثر مما هي متعبة، فتقول إن “هذه المعادلة المبنية على دولرة الأسعار تجور مباشرة على حقوق الناس.. هذه المفارقة لعبة رياضية وهمية، ومعادلة اقتصادية خاطئة تبرر رفع الأسعار بلا توقف، وتتحول إلى مصدر دائم لزيادة التضخم والضغط أكثر فأكثر على المواطن العادي”.
اقرأ أيضا: ننشر أبرز الأخطاء الشائعة في تنسيق طلاب الشهادات الفنية
ثم تضيف في حديثها للجزيرة نت: “المثير أن الجهات المعنية والأوساط الاقتصادية تتحدث دائما عن مضار التسعير الرسمي وضرورة تحرير الأسعار وتخفيض الدعم الحكومي للسلع الأساسية، لكنها لا تجيب عن سؤال بسيط: لماذا لا تُحرر الأجور أولا وتتحول إلى عملة صعبة، ثم تتحرر الأسعار لتواكب الأسعار العالمية؟ لماذا عندما يتعلق الأمر بزيادة الأسعار تكون الحسابات بالدولار، وعندما يأتي الدور على رواتب العاملين والموظفين يتحول كل شيء فجأة إلى الريال؟”.
صناعة الفقر
بسؤال الخبير الاقتصادي معين صادقيان، عن الأسباب بدأ حديثه بتشريح للأزمة، قائلا: “الخلل الأساسي واضح. رواتب الناس تُحدد في بداية السنة بالعملة الوطنية، ثم يُترك الريال يذوب شيئا فشيئا، بينما تتحرك كل التكاليف وفق قيمة الدولار. وحتى منتصف العام قد يفقد الراتب أكثر من نصف قيمته بسبب التضخم المتزايد”، واصفا الانفصام المتزايد بين الريال والدولار بأنه “السبب الأساس لانهيار معيشة المواطن الإيراني”.
وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف صادقيان أن “النتيجة المباشرة الأولى هي أن الطبقة الوسطى تضعف باطراد، وتنزلق نحو الفقر، أما الطبقة الفقيرة سابقا فتدخل حالة الفقر المدقع. وهنا تتفاقم المأساة، لأن انهيار الطبقة الوسطى يعني انخفاض الادخار، وانخفاضه يعني غياب الاستثمار الذي يعني توقف خلق فرص العمل، وتوقف خلق فرص العمل يعني البطالة، والبطالة تكرس الفقر، وهكذا ندخل في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها”.

وأشار إلى أن الفقراء لا يستطيعون الادخار، ومن لا يدخر لا يستثمر، ومن لا يستثمر لا ينمو، معتبرا أن هذا الوضع بمثابة “مصيدة الفقر التي وقعت فيها قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني”.
ثم انتقل إلى ظاهرة موازية قائلا: “أضف إلى ذلك أن الناس، وقد فقدوا الثقة في العملة الوطنية، صاروا يحتفظون بمدخراتهم بالدولار في المنازل في ظاهرة أضحت تعرف هنا بالدولارات المنزلية ولو كانت في الاقتصاد الرسمي لتحولت إلى استثمارات ومشاريع وفرص عمل. لكنها تخرج من الدورة الاقتصادية، وتتحول إلى أموال مكتنزة لا تنتج شيئا بل تتحول إلى استنزاف صامت للاقتصاد الوطني”.
وعن الأسباب الجذرية التي أدت بالاقتصاد الإيراني إلى الدولرة في التسعير، يجيب صادقيان باختصار: “التضخم المزمن”، موضحا أنه عندما يستمر التضخم في التآكل على مدى سنوات طويلة، يفقد الناس الثقة في عملتهم الوطنية. والريال اليوم لم يعد يؤدي وظائفه الأساسية بوصفه عملة: لم يعد مخزنا للقيمة، ولا وسيلة لقياسها، ولا وسيطا موثوقا به للتبادل في كثير من المعاملات لا سيما في شمال طهران، حيث صارت بعض عقود الإيجار والبيع والشراء تتم بالدولار أو بالعملات الرقمية مثل البيتكوين.. هذا المستجد ليس تطورا، بل انهيار في الثقة الاجتماعية”، معتبرا أن الحل يكمن في “استعادة الثقة بين الناس ودولتهم، وبين المواطن ومؤسساته”.
اقرأ أيضا: بيراميدز يخوض التدريب الأول على ملعب مواجهة البوليس الكيني
