تشهد أروقة وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) واحدة من أشد الأزمات الهيكلية والسياسية تعقيدا في تاريخها الحديث، عقب الاستقالة المدوية لوزير الجيش دانيال دريسكول.
اقرأ أيضا: الكابوس الذي تخشاه إسرائيل في سوريا | سياسة
وتكتسب هذه الاستقالة أهمية لأنها تسلط الضوء على صراع عميق بين تيارين داخل الإدارة الأمريكية، أحدهما تقني يسعى لتحديث الجيش وتطوير حروب المسيرات والذكاء الاصطناعي، وآخر يقوده وزير الحرب بيت هيغسيث يركز على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفق أبعاد أيديولوجية، وإعادة صياغة هوية “المقاتل” مع بروز دور غير مسبوق لزوجته جينيفر في صنع القرار داخل البنتاغون، طبقا لقراءات صحفية دولية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وبحسب تقرير نشرته مجلة بوليتيكو، نقلا عن مسؤول أمريكي وأشخاص مطلعين على الكواليس الداخلية، فإن استقالة دريسكول أظهرت إلى العلن حجم التوتر المتراكم داخل البنتاغون.
وأوضحت تلك المصادر أن جهود وزير الجيش لبناء قوة عسكرية “أكثر كفاءة ببصمة أخف” واجهت -خلال الأشهر الأخيرة في منصبه- تحديا من الوزير هيغسيث ورئيسِ الأركان الجديد بالوكالة اللواء كريستوفر لانيفي، اللذين ركزا على توجيه الجيش نحو الاهتمام بمعايير المظهر العام والهندام واللياقة البدنية.
وكل ذلك، إلى جانب استقالة كبار القادة العسكريين المرموقين، دفع -وفق بوليتيكو- دريسكول للتوجه إلى البيت الأبيض وتقديم استقالته للرئيس دونالد ترمب.
وفي تفاصيل اللقاء مع الرئيس، كشفت المجلة نقلا عن مصدر مطلع أن دريسكول لم يُخفِ قلقه وحذر ترمب مباشرة من أن حظر ترقية الضباط وتجميد خطط التحديث يضر بمستقبل القوات المسلحة الأمريكية.
وقال أحد الأشخاص المطلعين على الخلاف، تحدث للمجلة شريطة عدم الكشف عن هويته، إن دريسكول سعى منذ اليوم الأول لتصفية الهياكل المتضخمة وجعل الجيش مستعدا للمعارك الكبرى الحديثة عبر شراء التكنولوجيا بأسعار أرخص وسرعة أكبر، غير أن هيغسيث كان يعرقل تلك الجهود عند كل منعطف، مما دفع وزير الجيش للتوجه إلى البيت الأبيض وتقديم استقالته للرئيس.
دريسكول محارب سابق في حرب العراق ومستثمر في قطاع التكنولوجيا وصديق جيه دي فانس نائب ترامب منذ أيام الدراسة في كلية ييل للقانون، قد اختاره الرئيس بوصفه مزعزعا للتقاليد وصانعا للتغيير
صدام بين رؤيتين
لم تكن استقالة دريسكول -بحسب بوليتيكو- مجرد تغيير إداري عادي، بل جاءت بعد خلافات عميقة بشأن مستقبل الجيش، وتفاقمت مع إقالة عدد من كبار القادة وعرقلة ترقيات ضباط اختيروا وفق نظام الترقية التقليدي.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين عسكريين كبار أن دريسكول اشتكى للرئيس من إقالة هيغسيث عددا من أكثر القادة تمرسا في القتال، مؤكدا أن ذلك حطم الروح المعنوية وأثار شكوكا حول نزاهة نظام الترقيات القائم على الكفاءة.
وفي المقابل، أوردت بوليتيكو تصريحا لمتحدثة باسم البيت الأبيض توقعت فيه أن يتولى وكيل وزارة الجيش مايكل أوبادال منصب الوزير بالإنابة، على الرغم من أن بعض مسؤولي وزارة الحرب يتأهبون لاحتمال أن يحل المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل محل دريسكول.
ودافع البيت الأبيض -بحسب المجلة- عن قيادة هيغسيث للبنتاغون، قائلا إن وزير الحرب ينفذ رؤية الرئيس الرافضة لسياسات وبرامج التنوع والإنصاف والشمول، مشيرا إلى أن ترمب “يثق ثقة كاملة في الوزير هيغسيث”.
وكان دريسكول محاربا سابقا في حرب العراق ومستثمرا بقطاع التكنولوجيا وصديق جيه دي فانس نائب الرئيس منذ أيام الدراسة في كلية ييل للقانون، وقد اختاره ترمب في الأصل بوصفه “مزعزعا للتقاليد وصانعا للتغيير” على حد تعبير صحيفة ذي إندبندنت البريطانية.
وقد حاول بالفعل ترجمة هذا الوصف إلى مشروع لتحديث الجيش، يقوم على توظيف التكنولوجيا والاستفادة من رأس المال الخاص وتسريع المشتريات العسكرية، لكن المشروع اصطدم بسياسة هيغسيث داخل البنتاغون.

أكثر من 80 جنرالا وأدميرالا
من جانبها، وضعت صحيفة نيويورك تايمز استقالة دريسكول في سياق أوسع بكثير، وقالت إن هيغسيث أقال أو عرقل ترقيات أكثر من 80 جنرالا وأدميرالا بحريا، أي ما يقرب من 10% من كبار الضباط في الجيش الأمريكي.
وتقول الصحيفة إن هيغسيث استهدف -الآونة الأخيرة وحدها- 7 ضباط في الجيش اختارتهم لجنة من كبار القادة للترقية إلى رتبة لواء.
وتضيف أن مسؤولين عسكريين تحدثوا إليها يرون أن هذه الإجراءات لا تبدو مرتبطة بأداء الضباط بقدر ارتباطها برغبة هيغسيث في تشكيل قيادة عسكرية أكثر انسجاما مع رؤيته السياسية والأيديولوجية.
لكن “نيويورك تايمز” تشير إلى أن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل دافع عن حق وزير الحرب في تعديل قوائم الترقيات، قائلا إن الاعتقاد بأن هذه القوائم “لا يمكن تغييرها أمر مثير للسخرية” وإن كل وزير دفاع مارس هذه الصلاحية.
ويرى أعضاء في الكونغرس ومسؤولون عسكريون أن ما يحدث يتجاوز الممارسات المعتادة.
ونسبت الصحيفة إلى السيناتور الديمقراطي جاك ريد، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، القول إن عمليات الإبعاد التي نفذها هيغسيث “غير قانونية” بينما عبّر جمهوريون أيضا عن القلق من تداعياتها.
وقال السيناتور الجمهوري مايك راوندز إنه يشعر “بخيبة أمل” إزاء رحيل دريسكول، مضيفا أنه يسمع الشائعات نفسها المتعلقة بإحباطه من إقالة كبار الجنرالات، وأن هذه القضية ستثير أسئلة في الكونغرس.
أما النائب الجمهوري دون بيكون فقال إن امتلاك وزير الحرب الحق القانوني في إقالة هؤلاء القادة “لا يعني أن ذلك قرار حكيم”.

جيش في لحظة اختبار خطرة
تكمن خطورة هذا الصراع في توقيته، فالجيش الأمريكي يخوض -وفق التقارير الصحفية- واحدة من أكثر فتراته دموية منذ حربي العراق وأفغانستان، بينما تستمر الحرب مع إيران منذ أشهر أطول مما توقعت إدارة ترمب.
وفي الوقت نفسه، تواجه القوات الأمريكية انتشارا متزايدا للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، وهي أسلحة كشفت نقاط ضعف القواعد الأمريكية وأنظمة الدفاع المنتشرة في الخارج.
وتقول “نيويورك تايمز” إن وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش تلعب دورا أساسيا في حماية القوات الأمريكية بالشرق الأوسط من الهجمات الصاروخية الإيرانية، بينما تقدم القيادة الأمريكية في أوروبا دعما استخباراتيا ومساندة لأوكرانيا بحربها ضد روسيا.
وبالتوازي، تسعى واشنطن إلى اللحاق بخصوم مثل روسيا والصين اللتين قطعتا شوطا كبيرا في مجال حرب المسيّرات.
ولهذا كان مشروع دريسكول يركز على الاستثمار في الطائرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي وإدخال شركات التكنولوجيا الصغيرة إلى قاعدة صناعية عسكرية تهيمن عليها شركات تقليدية ضخمة، إضافة إلى إنشاء مراكز بيانات داخل منشآت الجيش.
ولكن إحدى أبرز مبادراته تعرضت بالفعل لضربة عندما ألغى الجنرال كريستوفر لانيفي الشهر الماضي وحدة لمواجهة المسيّرات في أوروبا، وأعاد توجيهها نحو مهمة المشاة المحمولة جوا التقليدية.
أكثر من نصف الضباط الذين طالتهم إجراءات هيغسيث من النساء أو الأمريكيين السود، في وقت ما تزال فيه القيادات العليا للقوات المسلحة ذات أغلبية ساحقة من البيض
إنهاء الحرب أم تسييس المؤسسة؟
يدافع هيغسيث عن حملته باعتبارها عملية تطهير ضرورية لإعادة الجيش إلى ما يراه جوهر مهمته، وفي خطاب ألقاه أمام كبار الجنرالات والأدميرالات، قال “نحن نزيل الركام، ونتجنب ما يصرف الانتباه، ونفسح المجال أمام القادة ليكونوا قادة.. قد تقولون إننا نوقف الحرب على المحاربين”.
لكن “نيويورك تايمز” تنبه إلى أن أكثر من نصف الضباط الذين شملتهم إجراءات هيغسيث من النساء أو الأمريكيين السود، في وقت ما تزال فيه القيادات العليا للقوات المسلحة ذات أغلبية ساحقة من البيض.
وتشير إلى أن نسبة المرشحات للترقية إلى رتبة جنرال أو أدميرال هذا العام هي الأدنى منذ 25 عاما على الأقل، فيما لا يتوقع ترشيح أي امرأة لرتبة أدميرال هذا العام للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
وتعرض الصحيفة مثالا لضابط مخضرم في سلاح المشاة، قاد وحدة محمولة جوا في إيطاليا وخدم في العراق وأفغانستان، أزيل من قائمة الترقية بسبب اعتقاد خاطئ بأنه سمح بمجموعة إرشاد للنساء في وحدته وبقفزة مظلية نسائية.
اقرأ أيضا: بلا رصاصة واحدة.. كيف تبني الصين حصارًا على الهيمنة الأمريكية؟ | سياسة
وتبين لاحقا أن المجموعة سبقت فترة قيادته، وأنه طلب إعادة تسميتها وفتحها أمام الرجال امتثالا للسياسة الجديدة، ومع ذلك أزيل من القائمة.
كما أزيلت ضابطة استخبارات لعبت دورا مهما في تطوير نظام “مافن” المستخدم في تحليل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد أهداف الضربات الجوية، من دون أن يكون سبب إبعادها واضحا.

دريسكول ليس الضحية الأولى
في تقريرها عن حالة الفوضى داخل البنتاغون، تستعرض صحيفة ذي إندبندنت البريطانية سلسلة طويلة من كبار القادة الذين غادروا مناصبهم منذ تولي هيغسيث وزارة الحرب.
وتشمل القائمة الجنرال تشارلز براون، أول أمريكي أسود يتولى رئاسة أركان القوات الجوية، والأدميرال ليزا فرانشيتي، أول امرأة تشرف على قيادة العمليات البحرية وأول امرأة تنضم لهيئة الأركان المشتركة، والجنرال تيم هاوغ مدير وكالة الأمن القومي.
كما تضم القائمة نائب الأدميرال شوشانا تشاتفيلد، والجنرال ديفيد ألفين قائد القوات الجوية، والفريق جيفري كروز مدير وكالة استخبارات الدفاع، والجنرال راندي جورج رئيس أركان الجيش، ووزير البحرية جون فيلان، والجنرال كريستوفر دوناهيو قائد القوات الأمريكية بأوروبا وأفريقيا.
ويكتسب إبعاد الجنرال راندي جورج أهمية خاصة، لأنه كان شريكا رئيسيا لدريسكول في مشروع تحديث الجيش قبل أن يقيله هيغسيث في أبريل/نيسان من دون تفسير واضح.
وبذلك، لم تعد المشكلة مجرد فقدان مسؤول هنا أو جنرال هناك، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تشكيل كاملة لهرم القيادة العسكرية الأميركية.

جينيفر هيغسيث.. نفوذ يتجاوز دور الزوجة
وفي خلفية هذه التحولات، تبرز شخصية أخرى هي جينيفر هيغسيث زوجة وزير الحرب، والتي خصصت لها “ذي إندبندنت” تقريرا منفصلا.
فالصحيفة تصف جينيفر -وهي منتجة سابقة في شبكة فوكس نيوز- بأنها باتت تتمتع بدور سياسي وإعلامي يتجاوز بكثير الدور التقليدي لزوجة مسؤول رفيع.
وهيغسيث نفسه قال -في مقابلة سابقة- إن هناك شخصيتين اثنتين أول حرف في اسميهما هو (ج) أعادتا حياته إلى مسارها، في إشارة إلى زوجته ويسوع (جيسوس) المسيح، مؤكدا أن نجاحه الحالي لم يكن ممكنا من دونهما.
لكن حضورها داخل دوائر عمل زوجها أثار انتقادات وتساؤلات، إذ أفادت تقارير بأنها تساعده في التحضير للمقابلات الإعلامية، وتقترح أفكارا لمقاطع وسائل التواصل الاجتماعي، وظهرت معه في مناسبات عسكرية، كما حضرت اجتماعات مع مسؤولين أجانب وعسكريين.
وتقول الصحيفة البريطانية إن بعض المسؤولين السابقين وصفوا مستوى تدخلها بأنه “غير طبيعي” بينما أطلق عليها أحد المصادر -وفق التقرير- لقب “يوكو أونو” الفنانة والموسيقية اليابانية التي اشتهرت بزواجها من مغني فريق البيتلز جون لينون، في إشارة إلى الدور الذي يعتقد أنها تلعبه في التأثير على زوجها.
وأثارت مشاركتها في اجتماع مع وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في مارس/آذار 2025 تساؤلات خاصة، إذ قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق تشاك هاغل إن وجود زوجة سياسي في اجتماع حساس يجعل موظفي الوزارة أكثر حذرا بشأن ما يقولونه ولمن.
ونفى البنتاغون أنها حضرت اجتماعات تتضمن معلومات سرية، فيما قال المتحدث شون بارنيل إنها حضرت للتعريف بها ثم غادرت سريعا.
لكن الجدل تصاعد بعدما أظهرت تقارير أن اسمها كان ضمن مجموعة محادثة عبر تطبيق سيغنال ناقش فيها هيغسيث معلومات تتعلق بعملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، إلى جانب شقيقه ومحاميه الشخصي.
واعتبرت ذي إندبندنت أن حضور جينيفر هيغسيث بالمشهد يضيف بعدا سياسيا وإعلاميا يعكس محاولة واضحة لصناعة شخصية عامة تتجاوز منصب وزير الحرب.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحا هو من انتصر في معركة البنتاغون الداخلية، بل ما الذي ستخسره المؤسسة العسكرية الأمريكية إذا انتصر الولاء على الخبرة، والحرب الثقافية على التحديث، والصراع السياسي على الاستعداد لحرب مقبلة؟
اقرأ أيضا: تغييرات حزب الجبهة الوطنية| عمران نائبا لرئيس الحزب بدلا من القصير