بلا رصاصة واحدة.. كيف تبني الصين حصارًا على الهيمنة الأمريكية؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خرج العالم من الحرب العالمية الثانية بقطبين جديدين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد أن انطوت صفحة القطبية البريطانية الفرنسية، وانكفأت ألمانيا بعد ما تعرضت له من هزيمة وتقسيم وإذلال.

اقرأ أيضا: تغييرات حزب الجبهة الوطنية| عمران نائبا لرئيس الحزب بدلا من القصير

في ذلك الوقت كانت الصين تنهي حربا أهلية انتهت بانتصار الشيوعيين على القوميين وتأسيس جمهورية الصين الشعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1949 على يد ماو تسي تونغ الذي استمر في السلطة لأكثر من ربع قرن.

وعلى مدى 4 عقود تالية ظل العالم أسيرا للقطبية الثنائية، بينما كانت الصين بعيدة عن الصورة خصوصا مع انشغالها بقضايا داخلية وإقليمية ثم جهود تحديث وانفتاح بدأها دينغ شياو بينغ أواخر السبعينيات.

وعام 1991 انهار الاتحاد السوفياتي، لتنهار القطبية الثنائية وتبدأ مرحلة من انفراد الولايات المتحدة بدرجة غير مسبوقة من القوة، فهي صاحبة أكبر اقتصاد، وأقوى جيش، ناهيك عن عملة تسيطر على اقتصاد العالم وتجارته، وشبكة تحالفات تمتد من أوروبا إلى آسيا.

وفي الجانب الآخر من العالم كانت هناك قوة مختلفة تتشكل ببطء، وكان الاقتصاد سلاحها الأبرز خصوصا بعد مرحلة انفتاح بدأت عام 1978، حيث حققت الصين نموا اقتصاديا تجاوز متوسطه 9% سنويا لعقود، وخرج نحو 800 مليون من سكانها من دائرة الفقر المدقع.

ومع بداية القرن الحالي وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بدأت الصين مرحلة صعود هائل وغزت بضائعها الأسواق العالمية، وأصبح الكثيرون يعتبرونها دون شك القطب المقبل الذي يوشك أن يناطح القطب الأمريكي أو ربما يزيحه عن عرشه.

وإذا أردت صورة مختصرة توضح لك درجة الصعود الصيني فانظر إلى هذه الأرقام المتعلقة بالناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ العام الماضي 29 تريليون دولار للولايات المتحدة مقابل 19 تريليونا للصين، وقارنه بأرقام بداية القرن الحالي التي دارت حول 10.2 للولايات المتحدة مقابل 1.2 للصين.

وببساطة كان حجم الاقتصاد الصيني قبل ربع قرن يعادل 12% من نظيره الأمريكي وارتفعت النسبة الآن إلى 65%، وبالتالي من الطبيعي أن يتساءل القارئ عما يمكن أن تصل إليه النسبة بعد ربع قرن آخر أو أقل من ذلك.

الأمر في مجالات أخرى لا يختلف كثيرا عن الاقتصاد، فالقيادة والتفوق ما زالا للولايات المتحدة لكن حجم صعود الصين يقول إن الأمر مرشح للتغيير بقوة إذا استمرت المعطيات على ما هي عليه.

فكيف تقدمت الصين وما أبرز مجالات هذا التقدم؟

الصناعة والتكنولوجيا

تعد الصناعة أبرز أوراق الصين في تحقيق التقدم، فقد تحولت خلال جيل واحد من قاعدة لإنتاج السلع الرخيصة إلى منظومة صناعية متكاملة تنتج الآلات والإلكترونيات والسيارات والبطاريات إضافة إلى معدات الطاقة المتجددة والمواد الوسيطة التي تحتاج إليها مصانع العالم.

واقتربت قيمة صادرات الصين السلعية عام 2025 من نحو 3.8 تريليونات دولار، كما استحوذت خلال السنوات الأخيرة على ما يقرب من 15% من قيمة الصادرات العالمية.

ورغم انخفاض صادراتها للولايات المتحدة العام الماضي بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية، فقد عوضت بكين ذلك بتوسيع مبيعاتها إلى أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة لتثبت أن الرسوم قد تغيّر مسارات التجارة لكن لا يمكنها أن تعزل آلة التصدير الصينية العملاقة.

المثير، أن تفوق الصين يبدو أوضح في صناعات المستقبل، حيث أنتجت الصين العام الماضي ما يقرب من ثلاثة أرباع السيارات الكهربائية في العالم، أي نحو 16 مليونا من أصل 22 مليون سيارة كهربائية عالميا. كما تستحوذ على أكثر من 80% من إنتاج بطاريات الليثيوم عالميا.

وفي سلاسل الطاقة الشمسية تظل الصين المورد المسيطر، إذ قدرت وكالة الطاقة الدولية حصتها عام 2024 بنحو 85% من سلسلة إنتاج الطاقة الشمسية، وترتفع النسبة إلى 95% في تصنيع الرقائق المستخدمة بالألواح الشمسية.

الصين حققت تقدما كبيرا في التكنولوجيا وبراءات الاختراع
الصين حققت تقدما كبيرا في التكنولوجيا وبراءات الاختراع (تصميم خاص- الجزيرة)

وفيما يخص التكنولوجيا، فعلى مدى نحو قرن من الزمان أقامت الولايات المتحدة نهضتها وازدهارها وقوتها على أساس تفوقها الصناعي وقدرتها الفريدة على ابتكار التكنولوجيا وتطويرها واستغلالها.

لكن هذه القاعدة باتت تواجه اليوم تحديا خطيرا مع تنامي المنافسة التي تقودها الدول الأخرى وبخاصة الصين في مجال الابتكار والتطوير، مما دفع الكثير من الأصوات في الغرب للتحذير مما وصفوه بـ”صدمة صينية ثانية” لا تتمثل هذه المرة في الصادرات الرخيصة وإنما في التفوق التكنولوجي.

فلم يعد خافيا أن الصين تسعى إلى الريادة العالمية في الصناعات المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والفضاء، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية مؤخرا، قال جاك سوليفان أستاذ كرسي كيسنجر لفن الحكم والنظام العالمي، في كلية هارفارد كيندي، إن الصين حققت هذا التفوق من خلال بناء نظام واسع النطاق وغير مركزي لتمويل الابتكار المدعوم من الدولة، وتوجيه رؤوس الأموال إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة ذات الأولوية، وتشجيع الشركات على التنافس بضراوة.

وبهذا نجحت الصين في إيجاد سوق تحت السيطرة، مع قدرة شركاتها على بناء طاقات إنتاجية تفوق قدرة الشركات الأمريكية وحلفائها، وإغراق الأسواق بالمنتجات قبل أن تتمكن الشركات الأمريكية والحليفة من زيادة إنتاجها.

كما استخدمت بكين هذا النهج للسيطرة على سلاسل التوريد الحيوية، مستغلة ذلك للضغط على منافسيها جيوسياسيا، كما حدث العام الماضي عندما فرضت قيودا على تصدير المعادن النادرة إلى واشنطن لتجبر ترمب على خفض الرسوم الجمركية المرتفعة على البضائع الصينية، كما حدث بشكل مشابه مع اليابان عام 2010.

وبينما كانت الصين تعزز قوتها الصناعية، سمحت واشنطن لجزء كبير من قاعدتها الإنتاجية بالهجرة إلى الخارج، لتدفع لاحقا ثمنا كبيرا لفصل الابتكار عن التصنيع، وفقا لفورين أفيرز، فمع انتقال المصانع للخارج، فقدت الولايات المتحدة جزءا كبيرا من قوتها العاملة الماهرة والخبرة اللازمة للبناء بسرعة وعلى نطاق واسع.

ويحذر سوليفان -الذي كان مستشارا للأمن القومي الأمريكي (2021-2025)- من أن الولايات المتحدة إذا لم تغير مسارها، فقد تفقد تفوقها التكنولوجي. ومع مرور الوقت، قد تفقد ريادتها العالمية الأوسع، لصالح الصين.

**تصميم خاص** أوراق الصين.. تمدد في الخارج
حضور متنام للصين في المؤسسات الدولية (الجزيرة)

سلاح المعادن النادرة

إذا كان هناك قطاع تظهر فيه قدرة بكين على “خنق” منافسيها الكبار وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، فهو المعادن الأرضية النادرة.

وتنتج الصين نحو 60% من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات، لكن سيطرتها تكون أكبر بكثير في عمليات التكرير والمعالجة، إذ تصل حصتها إلى نحو 90%.

وهذه هي النقطة الأكثر حساسية، فوجود المنجم وحده لا يكفي، بل يجب امتلاك القدرة على فصل المعادن وتنقيتها وتحويلها إلى مكونات صناعية، وهنا يصعب تجاوز الصين.

وخلال المواجهة التجارية مع واشنطن العام الماضي، فرضت بكين قيودا على تصدير 7 من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، فأحدث ذلك ارتباكا كبيرا في سلاسل الإمداد، وحذرت شركات صناعية غربية من احتمال اضطرارها لخفض الإنتاج أو حتى إيقافه مؤقتا.

وقدرت وكالة الطاقة الدولية أن تطبيق القيود الصينية الأوسع نطاقا بصورة كاملة يمكن أن يعرض إنتاجا صناعيا خارج الصين تبلغ قيمته نحو 6.5 تريليونات دولار سنويا للخطر. ورغم تعليق الصين للقيود الموسعة حتى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل إلا أن المخاوف لا تزال قائمة.

المفارقة التي يقدمها هذا المجال مفادها أن واشنطن يمكنها استخدام النظام المالي والدولار والعقوبات لإغلاق أبواب التمويل أمام خصومها، بينما تستطيع بكين في بعض القطاعات التحكم في المواد التي يحتاج إليها الخصم من الأساس لكي يصنع الطائرات والسيارات والرقائق والأسلحة.

تحالف بلا أحلاف

ما تزال الولايات المتحدة تتفوق بصورة واضحة في التحالفات العسكرية، فلديها حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتحالفات وثيقة مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ودول أخرى، فضلًا عن مئات المنشآت والقواعد العسكرية حول العالم.

والصين لا تمتلك شيئًا مماثلًا. ولا يبدو أنها تسعى إلى استنساخها وإنما اختارت نموذجًا مختلفًا يتمثل في بناء دوائر سياسية واقتصادية مرنة تسمح للدول بالتعاون معها من دون التحول بالضرورة إلى “حلفاء” بالمعنى الغربي.

فمن خلال مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومبادرة الحزام والطريق، تنسج بكين شبكة واسعة من العلاقات مع دول لا تريد بالضرورة أن تصبح حليفة للصين، لكنها تريد أيضًا ألا تضطر للاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

وقد اتسعت بريكس خلال السنوات الأخيرة لتضم دولًا جديدة، بينما تضم منظمة شنغهاي الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان وغيرها.

وهذه التجمعات ليست “ناتو صينيًا” كما أنها مليئة بالخلافات الداخلية، لكنها تمنح بكين شيئًا بالغ الأهمية: منصات دولية لا تتحكم فيها واشنطن.

الرئيس الصيني وعن يساره نظيره البرازيلي لولا دا سيلفا
الرئيس الصيني وعن يساره نظيره البرازيلي لولا دا سيلفا (غيتي)

تمدد هادئ في أمريكا اللاتينية

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أن أمريكا اللاتينية بمثابة “فناء خلفي لها” ولذلك كان مزعجا لها أن ترى الصين تتقدم في هذه الساحة، لدرجة أن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، الصادرة عام 2017 بالولاية الأولى لترمب، حذرت من أن الصين تسعى إلى “ضم المنطقة إلى فلكها من خلال استثمارات وقروض تقودها الدولة”.

ولفتت الصين الأنظار بعدما تولت تنفيذ مشروعات ضخمة في أمريكا اللاتينية مثل ميناء شانكاي في بيرو الذي تسيطر عليه وتديره شركة شحن صينية عملاقة، وسد كوكا كودو سنكلير في الإكوادور الذي بنته الصين أيضا، بينما لجأت واشنطن إلى سلاح العقوبات الدبلوماسية ضد مسؤولين في تلك الدول اللاتينية مثل إلغاء التأشيرات وفرض عقوبات، كما هددت باستخدام القوة العسكرية ضد حكومات تلك الدول.

لكن مجلة فورين أفيرز الأمريكية تقول إن الصين غيرت إستراتيجية تمددها في أمريكا اللاتينية، فلم تعد تراهن على مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات لتعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي، وإنما تسعى لترسيخ وجودها في المنطقة من خلال دعم مشاريع أصغر حجما وأقل نشاطا.

وفي تحليل أعدته نتاليا كوت مونتس المسؤولة السابقة في إدارة التخطيط السياسي بالخارجية الأمريكية، تقوم شركات صينية بتطوير مشاريع تعدين الليثيوم في العديد من المقاطعات الأرجنتينية، كما تدير جميع شبكات توزيع الطاقة بالعاصمة البيروفية، وتورد معدات الشرطة وأنظمة كاميرات المراقبة في العديد من البلديات بدول أمريكا اللاتينية.

وحسب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية، فقد ضخت الصين، خلال العقد الثاني من الألفية الحالية، مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية بأمريكا اللاتينية، كالموانئ والسدود الضخمة، وحتى مشروع خط السكة الحديد عابر للقارات الذي يفترض أن يربط ساحل بيرو المطل على المحيط الهادي بساحل البرازيل المطل على المحيط الأطلسي، والذي لم يدخل حيز التنفيذ.

وجاءت هذه الاستثمارات في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية الشهيرة، التي أنفقت فيها مبالغ طائلة على مشاريع ضخمة في دول الجنوب العالمي. وكانت بكين تأمل من خلال ذلك في تأمين إمدادات السلع الأساسية، وفتح الأسواق أمام الشركات الصينية، ثم تحويل ثقلها الاقتصادي إلى تحالف دبلوماسي، بما في ذلك إقناع الدول التي لا تزال تعترف بتايوان بتحويل اعترافها إلى الصين.

لكن في بداية العقد الحالي، غيرت الصين مسارها، لا سيما في نصف الكرة الغربي، بعد أن أدركت أن المشروعات الضخمة في هذه المنطقة باهظة التكلفة وتثير ردود فعل جيوسياسية سلبية، واختارت التركيز على ما تسميه “مشاريع صغيرة لكنها رائعة” باعتبارها استثمارات لا تتطلب وجودا صينيا بارزا، وفي نفس الوقت تعتبر استثمارات شعبية تتراكم لتشكل ارتباطا قويا بين الصين وشعوب تلك الدول.

نشاط صيني في أفريقيا

الأمر لا يختلف كثيرا في أفريقيا، حيث بلغ حجم تجارة الصين مع هذه القارة مستوى قياسيا قدره 348 مليار دولار عام 2025، مقارنة بنحو 296 مليارا العام السابق.

ومنذ مايو/أيار 2026، وسعت بكين المعاملة الجمركية الصفرية لتشمل الدول الأفريقية الـ53 التي تقيم معها علاقات دبلوماسية، في خطوة تعزز صورتها باعتبارها سوقا بديلة أمام الاقتصادات الأفريقية.

اقرأ أيضا: تغييرات حزب الجبهة الوطنية.. جابر أحمد الطويقي «أمين محافظة سوهاج»

وفيما تظل الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لأفريقيا، تتحدث تقارير عن أكثر من 10 آلاف شركة صينية تعمل في مختلف المجالات بهذه القارة حاليا.

وحسب ورقة لمركز الجزيرة للدراسات، فإن الصين هي أكبر دائن ثنائي لأفريقيا، إذ قدمت الجهات المقرضة الصينية، بين عامي 2000 و2023، ما يتجاوز 182 مليار دولار أميركي كقروض لـ49 حكومة أفريقية و7 مقترضين إقليميين.

وتخلص هذه الدراسة إلى أن تنامي النفوذ السياسي الصيني في أفريقيا يتزامن مع توسع مشاركاتها الاقتصادية، متطورًا من علاقات دبلوماسية تقليدية واستثمارات مالية إلى تحرك أكثر استباقية يتجلى في مبادرات لبناء المؤسسات وعلاقات مع الأحزاب الحاكمة فضلا عن أدوار متزايدة في الوساطة لحل النزاعات الأفريقية.

وتمثل “مبادرة الحزام والطريق” الصينية منصة إستراتيجية لتعزيز النفوذ السياسي من خلال مشاريع البنية التحتية والدعم المالي، كما أن الوجود العسكري المتنامي للصين وصفقات الأسلحة يعزز هذا الهدف.

China's President Xi Jinping listens to his Egyptian counterpart Abdel Fattah al-Sisi as Xi's wife Peng Liyuan watches upon their arrival at the Cairo International Airport, Egypt, September 1, 2026. Khaled Desouki/Pool via REUTERS
الرئيس الصيني لدى وصوله مطار القاهرة أمس الثلاثاء وعن يساره نظيره المصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)

القوة الناعمة

“تواصل الصين تعزيز رصيدها من القوة الناعمة، بينما تعمل الولايات المتحدة على تقويض رصيدها بنفسها” هكذا تم تلخيص الموقف في تقرير لمؤسسة كارنيغي هذا العام، من إعداد مدير برنامج الشرق الأوسط بالمؤسسة عمرو حمزاوي وزميلته كاثرين سيلف.

لكن الصرخة الأعلى صوتا جاءت من مؤسسة أمريكية أخرى هي مركز بيو للأبحاث العالمية الذي أكد أن الصين باتت تحظى بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة وذلك للمرة الأولى، وفق استطلاع شارك فيه أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة.

مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي اعتبر أن هذه النتائج تشير إلى تراجع تأثير القوة الناعمة الأمريكية أكثر من كونها تعكس صعودا صينيا، وذلك حسب تحليل قدمه الخبير بالمجلس يانتشونغ هوانغ.

وأشار التحليل إلى أنه على مدى عقدين من الزمن، كانت إحدى نتائج استطلاعات مركز “بيو” ثابتة كشروق الشمس، وهي أن العالم ينظر إلى الولايات المتحدة نظرة أكثر إيجابية من الصين، لكن الاستطلاع الأخير يعلن أن ذلك العصر قد انتهى.

وفي الحقيقة، فالأمر ليس جديدا، حيث تشير تصنيفات مؤسسة غالوب العالمية لعام 2025 إلى أن متوسط معدل التأييد للصين بلغ 36%، ليتجاوز المعدل الأمريكي البالغ 31% وذلك في أكثر من 130 دولة، وهو أكبر هامش لصالح الصين تسجله غالوب منذ نحو 20 عاما.

لكن استطلاع مركز بيو تضمن نقطة مثيرة أخرى لا ينبغي تجاهلها، وهي أن متوسط الثقة بالرئيس الصيني شي جين بينغ تجاوز الثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب بـ10 نقاط، وذلك في 20 دولة تابعها مركز بيو سنويا منذ عام 2023.

وحسب يانتشونغ فإن ما يصفها بـ”نزعات ترمب الاستبدادية” ألحقت ضررا بالغا بصورة واشنطن، لكنه يضيف أن تعافي هذه الصورة وارد بقوة في ظل إدارات مستقبلية أفضل.

وحسب الخبراء فقد كانت أبرز عوامل تراجع القوة الناعمة الأمريكية ما يلي:

  • الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب
  • تقليص المساعدات الأمريكية للدول والمنظمات
  • تقلب السياسة الأمريكية وازدراء الحلفاء

في المقابل، حققت القوة الناعمة الصناعية نجاحات ملموسة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، كما اكتسب نموذج التنمية الصيني مكانة مرموقة وأصبح موضع تقليد لا سخرية بفضل عوامل أبرزها الهيمنة على سوق السيارات الكهربائية والبطاريات ناهيك عن الألعاب ومواقع التسوق.

وقد وجد مركز بيو أن نسبة التأييد والنظرة الإيجابية للصين أعلى بكثير في الاقتصادات الناشئة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب وجنوب شرق آسيا مقارنة بالدول الغنية، حيث سجلت مستويات قياسية مرتفعة هذا العام في كولومبيا وإندونيسيا وماليزيا والمكسيك ونيجيريا وتركيا.

وفي الوقت نفسه، تشهد الولايات المتحدة تراجعا حادا في شعبيتها في الديمقراطيات ذات الدخل المرتفع التي كانت في السابق مصدر الإعجاب بها، حيث يشير الاستطلاع إلى تراجع هذه الشعبية في السويد من 83% إلى 31% وفي كندا من 83% إلى 35% في غضون 3 أعوام .

ومع اكتساب الصين نفوذا وتأييدا في دول الجنوب العالمي، وفقدان الولايات المتحدة تأييد حلفائها، تفاقم هذان الاتجاهان (أحدهما يتقدم بينما يتراجع الآخر) وأصبح هذا التحول شبه حتمي.

خاتمة

في النهاية، فإن الحديث عن “خنق” الصين للولايات المتحدة لا يعني أن بكين أصبحت القوة المهيمنة الجديدة. فالاقتصاد الأمريكي يبقى الأكبر، والدولار ما زال يهيمن على أغلبية احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، بينما يبقى اليوان الصيني بعيدا جدا.

كما أن واشنطن تحافظ على شبكة تحالفات عسكرية وقواعد وانتشار عالمي لا تمتلك الصين نظيرا لها.

لكن المؤكد أن الصين حققت على الأقل شيئا ربما يكون أكثر أهمية في هذه المرحلة، وهو أنها جعلت احتواءها مكلفا، فضلا عن النجاح في تضييق المجال الذي تستطيع الولايات المتحدة التحرك داخله دون تكلفة.

فمن المعادن إلى البطاريات، ومن السيارات إلى التجارة مع الجنوب العالمي، ومن بريكس وشنغهاي إلى القوة الناعمة، نسجت بكين شبكة تجعل فصلها عن الاقتصاد العالمي مؤلما ليس لها وحدها، بل أيضا لمن يحاول فرض هذا الفصل.

الصين إذن، قد لا تحتاج إلى إزاحة الولايات المتحدة من قمة النظام الدولي لكي تغير هذا النظام.. يكفيها أن تجعل القوة الأميركية أقل قدرة على فرض إرادتها بشكل منفرد.

وبعد أن كانت واشنطن تفعل ما تشاء وتقرر ما تريد، بات عليها أن تسأل نفسك قبل ذلك عما قد يكون عليه رد الفعل من جانب الصين.

اقرأ أيضا: سيراميكا يهزم مودرن سبورت بثنائية في الدوري 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً