10 مليارات دولار ترسم الخريطة.. كيف تحولت الاستثمارات الصينية بمصر من الإنشاءات إلى الصناعة؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تستقبل مصر الرئيس الصيني شي جين بينج في زيارة دولة، هي الأولى مُنذ يناير 2016، وتتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. 

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي: مصر والصين تتفقان على ضرورة حل الصراعات بالوسائل السلمية

وتأتي الزيارة في وقت تجاوزت فيه الاستثمارات الصينية بالسوق المصرية حاجز 10 مليارات دولار، بعد تحول لافت في طبيعتها من مشروعات المقاولات والبنية الأساسية إلى مصانع إنتاج تعمل بأيدٍ مصرية.

وكانت وزارة الخارجية الصينية قد أعلنت تفاصيل الجولة، التي تشمل أيضًا قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك وزيارة دولة إلى قيرغيزستان، مؤكدة على لسان المتحدث باسمها لين جيان، أن الزيارة “تحمل دلالة خاصة” لمسار العلاقات الثنائية، وأن بكين تتطلع إلى فتح فصل جديد فيها.

عشرة مليارات دولار.. كيف تطور الرقم؟

يظل المؤشر الأوضح على نمو الاستثمارات الصينية في مصر هو المنطقة الصناعية الصينية بالعين السخنة، التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي تضم مصانع ومنشآت لوجستية ومراكز تخزين وتوزيع.

ووفق تقييمات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بلغت الاستثمارات داخل هذه المنطقة نحو 1.6 مليار دولار عام 2023، موزعة على أكثر من 130 منشأة صناعية وخدمية. وفي العام التالي، أشارت الهيئة نفسها إلى ارتفاع الرقم إلى ما يقارب 2 مليار دولار بوجود نحو 150 شركة تعمل في قطاعات صناعية ولوجستية متعددة.

أما على المستوى الكلي، فقد تجاوز إجمالي الاستثمارات الصينية في مصر خلال العام الجاري 10 مليارات دولار، مع تركيز متزايد على الصناعات المرتبطة بالطاقة الجديدة، ومفاوضات جارية بشأن مجمع للألومنيوم في منطقة القناة بنحو ملياري دولار.

لكن الرقم وحده لا يفسر ما جرى؛ فالتحول الأهم كان في نوعية هذا الاستثمار لا في حجمه.

من الأبراج إلى خطوط الإنتاج

ارتبط الحضور الصيني في مصر، خلال سنوات الشراكة الأولى، بأعمال المقاولات والإنشاءات الكبرى. فقد تولت شركات صينية تنفيذ منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، وأُسند إليها بموجب تعاقد مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تصميم وتشييد خمسة أبراج سكنية وفندقية في مدينة العلمين الجديدة بقيمة تقارب 2.065 مليار دولار. كما امتد الحضور إلى مشروعات النقل الكهربائي، وفي مقدمتها القطار الكهربائي الخفيف الرابط بين مدينة السلام والعاشر من رمضان والعاصمة الإدارية، إضافة إلى تحديث شبكة الكهرباء القومية.

كانت تلك مرحلة “الشريك المنفذ”: خبرة هندسية وتمويل ميسر مقابل بنية أساسية.

المرحلة الحالية مختلفة في جوهرها. فالمشروعات الأحدث صناعية بالدرجة الأولى، وتتوزع على قطاعات متكاملة: الأجهزة المنزلية والمعدات الكهربائية، والسيارات ومكوناتها والإطارات، والمنسوجات والملابس الجاهزة، والكيماويات ومواد البناء، إلى جانب صناعات الطاقة الشمسية والزجاج المستخدم في الطاقة الجديدة.

وامتدت الخريطة جغرافياً خارج نطاق منطقة القناة، لتشمل مجمعاً صناعياً في مدينة السادات لإنتاج الأجهزة الكهربائية والمنزلية بهدف تعويض الواردات، ومصنعاً في أكتوبر الجديدة باستثمارات تُقدَر بـ135 مليون دولار. وهو ما يعني أن الاستثمار الصيني لم يعد محصوراً في منطقة صناعية واحدة، بل بدأ يندمج تدريجياً في النسيج الصناعي المصري.

توطين الصناعة.. من السيارات الكهربائية إلى الألياف الضوئية

يتقدم ملف توطين الصناعة قائمة أولويات القاهرة في تعاملها مع الشريك الصيني، وقد ظهر ذلك في أكثر من قطاع.

ففي صناعة السيارات، جرى توقيع اتفاقية لإقامة مصنع لإنتاج السيارات الكهربائية محلياً بنسبة مكون محلي مرتفعة، بالشراكة بين شركة صينية كبرى وإحدى المجموعات المصرية العاملة في القطاع.

وفي قطاع الاتصالات، أسفرت مباحثات مع الجانب الصيني — بحسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات — عن مذكرات لتأسيس ثلاثة مصانع لكابلات الألياف الضوئية ومعدات الاتصالات داخل مصر، تغطي السوق المحلية وتصدر إلى أفريقيا، إلى جانب ثلاثة مراكز لتصدير خدمات التعهيد توفر أكثر من 800 فرصة عمل للشباب المصري، ومركز للبحث والتطوير في مجال الشبكات الضوئية وتكنولوجيا التحول الأخضر.

وفي مجال الطاقة، تتجه الاستثمارات نحو تصنيع مكونات الطاقة الشمسية وتجميع توربينات الرياح داخل مصر، بما يحول البلاد من مستورد للتكنولوجيا إلى منتج لها.

الأثر على الأرض.. وظائف وخبرة وفاتورة استيراد أخف

الأثر الحقيقي لهذه المشروعات لا يُقاس بحجم رأس المال وحده، بل بما تتركه على الأرض، ويمكن رصده في ثلاثة مسارات متشابكة.

فرص العمل أولاً؛ إذ توفر المشروعات الصناعية وظائف مباشرة داخل المصانع، وأخرى غير مباشرة في النقل والتخزين والصيانة وشبكات التوريد المحيطة بها.

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي: مصر تتمسك بالتعاون العابر للحدود في ملف نهر النيل

ونقل الخبرة الفنية ثانياً؛ فتشغيل هذه الخطوط بأيدٍ مصرية يعني تدريباً عملياً على تقنيات إنتاج حديثة. وقد دُعم ذلك ببروتوكولات تدريب مشتركة، من بينها برنامج تلتزم بموجبه الحكومة الصينية بتقديم 2000 فرصة تدريبية وبحثية للكوادر الحكومية والشباب المصري في مجالات الإدارة الحديثة والذكاء الاصطناعي والتعليم الفني، إضافة إلى منحة لإنشاء مركز للتدريب المهني داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفق ما أعلنته وزارة التخطيط والتعاون الدولي.

وخفض فاتورة الاستيراد ثالثاً؛ فكل سلعة تُصنَع محلياً بعد أن كانت تُستورد جاهزة تعني ضغطاً أقل على النقد الأجنبي، وهي معادلة بالغة الأهمية لاقتصاد يسعى إلى تعزيز احتياطاته.

منصة تصدير لا سوقاً محلية فحسب

الأهم استراتيجياً أن هذه المصانع لا تنتج للسوق المصرية وحدها.

فموقع مصر بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقربها من قناة السويس والموانئ الكبرى، وشبكة اتفاقياتها التجارية وعضويتها في الأطر العربية والأفريقية، عوامل تجعلها منصة تصدير إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية، وتربط الصناعة المصرية بسلاسل الإمداد العالمية بدلاً من بقائها على أطرافها.

وقد اكتسب هذا البعد زخماً إضافياً مع المبادرة الصينية التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من مايو الماضي، وتقضي بمنح إعفاء جمركي كامل بنسبة 100% للواردات القادمة من الدول الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية ببكين، وهو ما يفتح باباً واسعاً أمام الصادرات المصرية إلى واحدة من أكبر أسواق الاستهلاك في العالم، ويصب مباشرة في هدف تقليص العجز التجاري.

سبعون عاماً.. وفصل جديد على الطاولة

مًنذ أن أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية في مايو 1956، مرت العلاقة بمراحل عدة، من التعاون التقليدي إلى إقامة علاقات التعاون الاستراتيجي في تسعينيات القرن الماضي.

غير أن الشكل الصناعي الحالي لم يتبلور إلا بعد رفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في ديسمبر 2014، ثم ربط خطط التنمية المصرية بمبادرة الحزام والطريق، وصولاً إلى إقرار برنامج تنفيذي خماسي جديد للفترة 2024–2028 يضع إطاراً زمنياً للمشروعات المشتركة، ويركز صراحة على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.

وتبقى المرحلة المقبلة رهناً بعمق هذا التوطين: رفع نسبة المكون المحلي، وربط المصانع الصينية بشبكة الموردين المصريين، وتوسيع برامج تأهيل العمالة الفنية. وهي الملفات التي تتوقع الأوساط الاقتصادية في القاهرة حضورها على طاولة المباحثات خلال الأيام المقبلة.
 

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي: مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين

‫0 تعليق

اترك تعليقاً