تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، أهمية كبيرة في مسار العلاقات الثنائية، إذ تأتي في ظل تطور لافت للشراكة المصرية الصينية، خلال السنوات الأخيرة، وانتقالها من إطار التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل الاقتصاد والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل وغيرها من المجالات.
اقرأ أيضا: قرعة الحج بوزارة الداخلية في الدقهلية.. فرحة وزغاريد ودموع بين الفائزين بـ1057 تأشيرة
ومن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينج بزيارة رسمية إلى مصر خلال الساعات القليلة القادمة، يلتقي خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات محل الاهتمام المشترك، إلى جانب تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

◄ علاقات متطورة على مدار عقود
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لتزامنها مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956، حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية وثالث دولة على مستوى العالم تعترف بجمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956. كما تمثل الزيارة أول زيارة للرئيس الصيني إلى مصر منذ أكثر من عشر سنوات، وتأتي في إطار علاقات شهدت تطورًا متواصلًا على مدار العقود الماضية، وصولًا إلى رفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014.
وتتميز العلاقات السياسية بين البلدين بتعدد أطر التعاون والتنسيق، حيث قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة الصين ثماني مرات في إطار ثنائي أو للمشاركة في فعاليات دولية، وكانت آخر زيارة له في مايو 2024، والتي شهدت مشاركته ضيف شرف في الجلسة الافتتاحية لاجتماع منتدى التعاون العربي الصيني، إلى جانب تنظيم العديد من الفعاليات احتفالًا بمرور عشر سنوات على إنشاء الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. كما ترتبط مصر والصين بـ242 اتفاقية تم توقيعها حتى عام 2025 في العديد من المجالات.
◄ نمو ملحوظ في حجم التبادل التجاري بين البلدين
وعلى المستوى الاقتصادي، تشهد العلاقات المصرية الصينية نموًا ملحوظًا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 20.97 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقارنة بـ17.37 مليار دولار عام 2024. كما ضخت الصين خلال السنوات الأخيرة استثمارات في مصر تقدر بنحو 1.4 مليار دولار، ويتركز جانب مهم منها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يوجد بها نحو 200 شركة صينية.

وتشارك الشركات الصينية في تنفيذ وتمويل عدد من المشروعات الكبرى في مصر، من بينها أبراج حي المال والأعمال بالعاصمة الجديدة، وأبراج العلمين، والقطار الكهربائي الخفيف الذي يربط مدينة العاشر من رمضان بالعاصمة، إلى جانب مشروعات الطاقة المتجددة وغيرها، بما يعكس تنوع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
وتأتي هذه العلاقات في ظل مكانة اقتصادية بارزة للصين، التي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث تجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 19.5 تريليون دولار عام 2025، محققًا معدل نمو بلغ 5%، فيما بلغت صادراتها خلال العام نفسه نحو 3.7 تريليون دولار مقابل واردات قدرها 2.4 تريليون دولار. وخلال النصف الأول من عام 2026، حقق الاقتصاد الصيني نموًا بنسبة 4.7% وفقًا للأرقام الرسمية، بما يعكس استمرار النمو مع دخول الاقتصاد مرحلة من التباطؤ النسبي وإعادة هيكلة مصادر النمو عبر تعزيز الطلب المحلي وتقليل الاعتماد النسبي على الصادرات والاستثمار.
◄ أهمية الزيارة في ظل تحولات النظام الدولي
وتأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر في ظل تحولات متسارعة يشهدها النظام الدولي، من بينها استمرار التوتر وعدم اليقين في الشرق الأوسط، واحتدام التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، إلى جانب مواصلة الصين تطبيق سياسة خارجية تستهدف تعزيز حضورها العالمي وترسيخ مكانتها كقوة عظمى على الساحة الدولية.

وفي هذا الإطار، أطلقت الصين عددًا من المبادرات الدولية المتعلقة بالتنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية والحوكمة العالمية، فضلًا عن مبادرات مرتبطة بالإعفاء الجمركي للدول الأفريقية والتعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي. كما تنظر بكين إلى الدول العربية باعتبارها شريكًا رئيسيًا في الجنوب العالمي وفي بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، وتؤكد مبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ودعم حق الدول العربية في اختيار مسارات التنمية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية.
وتبرز خلال الزيارة عدد من الملفات الإقليمية والدولية المهمة، وفي مقدمتها الأزمة الإيرانية، وترتبط الصين وإيران بعلاقات شراكة استراتيجية شاملة، وتعد الصين الشريك التجاري الرئيسي لإيران وأكبر وجهة لصادرات النفط الإيراني، فيما تمثل إيران مصدرًا مهمًا للطاقة بالنسبة للصين.
◄ موقف الصين من الأزمة الإيرانية
وتتبنى بكين تجاه الأزمة الإيرانية موقفًا يقوم على ضرورة تسوية الملف النووي بالوسائل السياسية والدبلوماسية، ورفض استخدام القوة أو العقوبات الأحادية كوسيلة لحل الأزمة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على نظام عدم الانتشار النووي واستقرار منطقة الشرق الأوسط، ومعالجة الملف النووي من خلال تسوية سياسية تضمن الحقوق المشروعة لإيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مع الالتزام بالتعهدات الدولية.

اقرأ أيضا: الثالثة في 3 أيام .. إنهاء خصومة «ولاد العم» في قنا
كما تولي الصين أهمية لأمن الممرات البحرية، ولا ترحب بأي إجراءات من شأنها تقييد حرية الملاحة أو زيادة تكلفة المرور عبر مضيق هرمز.
وفي مارس 2026، أطلقت الصين وباكستان المبادرة ذات النقاط الخمس لاستعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، والتي دعت إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، وبدء محادثات السلام، وضمان أمن الأهداف غير العسكرية وحماية المدنيين، وضمان أمن الممرات البحرية واستعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز، والتأكيد على أولوية ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
كما يمثل الملف الفلسطيني أحد أبرز القضايا التي تحظى باهتمام الصين، حيث تدعم بكين حل الدولتين باعتباره السبيل العادل لتسوية القضية الفلسطينية، وتؤيد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967.
◄ الصين تدعم مبدأ حكم الفلسطينيين لفلسطين
وخلال حرب غزة، ارتكز الموقف الصيني على ضرورة وقف إطلاق النار، وإنفاذ المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير، والتمسك بمبدأ “حكم الفلسطينيين لفلسطين”، إلى جانب دعم خطة التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة بما يتسق مع قرارات الأمم المتحدة، ودعم جهود السلطة الفلسطينية لبسط سيادتها على كافة الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك قطاع غزة والضفة الغربية.
ويمتد الموقف الصيني إلى عدد من القضايا العربية الأخرى، حيث تدعم الصين لبنان في حماية أمنه وسيادته، ورفضت الهجمات الإسرائيلية عليه، كما قدمت مساعدات إنسانية طارئة إلى لبنان في مايو 2026. وفي ليبيا، تتبنى الصين سياسة عدم التدخل والحياد بين الأطراف المختلفة، وتؤكد أهمية التوصل إلى حل سياسي عبر الحوار، مع دعم إعادة بناء الاقتصاد الليبي. أما في السودان، فتدعو الصين إلى تسوية الصراع سياسيًا ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية، واحترام السيادة السودانية وعدم فرض تسويات خارجية، مع الترحيب بالوساطات الإقليمية.

وتحتل أفريقيا مكانة ثابتة في السياسة الخارجية الصينية، ويعد منتدى التعاون الأفريقي الصيني “FOCAC” الإطار الرئيسي للعلاقات الجماعية بين الصين والدول الأفريقية. وقد بلغ حجم التجارة الصينية الأفريقية عام 2025 نحو 348 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.7%، وهو مستوى قياسي.
وفيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، طرحت الصين في فبراير 2023 ورقة من 12 نقطة لتسوية الأزمة، تضمنت المطالبة بوقف كافة العدائيات، وتجنب تأجيج التوترات، واستئناف محادثات السلام، كما طرحت الصين بالتعاون مع البرازيل مبادرة مشتركة لتسوية الأزمة الأوكرانية في مايو 2024
اقرأ أيضا: غضب الهيمالايا.. تحذير من دخول العالم عصر الفيضانات الجليدية | بيئة ومناخ