لا أبالغ إذا قلت إن ما يجري في الضفة الغربية منذ عدة أسابيع من عدوان وحرب منظمة تشنها مليشيات المستوطنين وقطعانهم على قرى وبلدات الضفة الغربية يعيد إلى الأذهان عمليات المليشيات والعصابات الصهيونية المسلحة التي شنتها ضد القرى الفلسطينية عشية النكبة الفلسطينية قبل زهاء ثمانين عاما، والتي نتج عنها أكبر عملية تطهير عرقي في الأراضي الفلسطينية، ما زال بسببها أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا في أنحاء العالم حتى اليوم. إلى هذه الدرجة تصل وحشية وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم.
اقرأ أيضا: مفيدة شيحة تستعيد ذكريات نور الشريف: «أثر في أجيال لم تعاصره»
مع تصاعد الغضب العالمي لما يجري، اضطر بنيامين نتنياهو أمس إلى إدانة ما سماه “أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبها عدد قليل من مثيري الشغب” في قريتي قصرة وجالود في الضفة الغربية، وكذلك خرج السفير الأمريكي في إسرائيل القس مايك هاكابي أيضا بتصريح مماثل يقول فيه إن “نصف مليون إسرائيلي في الضفة مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأ بالمستوطنين”.
هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948، حين أصدر بيانا باسم الوكالة تبرأ فيه من الإرغون واعتبر أن المجزرة “عمل وحشي ومخز لا يتفق مع روح الشعب اليهودي وتقاليده وتطلعاته”، ليتبين في النهاية أن المجزرة كانت جزءا من الخطة (د) التي أقرها بن غوريون نفسه.
لتدور الأيام، وتصبح منظمة إرغون التي صنفت إرهابية في ذلك الوقت مؤسسة رسمية، بل وتدخل الانتخابات ويفوز زعيمها “مناحيم بيغن” برئاسة حكومة إسرائيل، ثم يتبجح رئيس الوزراء بيغن لاحقا بالمجزرة بقوله: “إن المذبحة لم تكن مبررة فحسب، بل ما كانت دولة إسرائيل لتوجد لولا النصر في دير ياسين”.
هكذا تلعب إسرائيل لعبة “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، فعندما يتعلق الأمر بالمستوطنين، لا يمكن أن يقال إن الإرهاب الذي يحدث حاليا في الضفة الغربية يقوم به بضعة “مشاغبين”، ولا أنه “لا يمثل” فئة المستوطنين في الضفة، وكأن هؤلاء حمائم سلام جاءت لتعيش في مستوطنات الضفة الغربية لتصنع “السلام” مع سكان الأرض الأصليين لا لتستأصلهم من أرضهم بأي ثمن.
الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ “وعد الرب” في هذه البقعة.
هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948
إن ما يجري الآن في بلدتي قصرة وجالود وقبلهما في يتما وحوارة وترمسعيا والقرى الأخرى في الضفة الغربية، ليست أحداثا معزولة، بل إن قراءة شاملة لمساحة الاعتداءات وبؤر التوحش الاستيطانية في الضفة تثبت أن الأمر أعمق من ذلك، وأنه مخطط شامل يشبه الخطة (د) التي أفضت في النهاية -مع الصمت العالمي- إلى عملية التطهير العرقي الكبرى ضد الشعب الفلسطيني عشية النكبة.
لاستيعاب ذلك ينبغي أن نقرأ خريطة الضفة ككل: إذ تمتد الضفة الغربية على مساحة 5660 كيلومترا مربعا (شاملة شرقي القدس)، من جنين شمالا حتى قرى جنوب الخليل جنوبا، ومن نهر الأردن شرقا حتى شريط طولكرم-قلقيلية غربا، الذي لا يبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط أكثر من حوالي 10 كيلومترات هوائية فقط، وهذه المساحة يسكنها اليوم حوالي 3.43 ملايين فلسطيني.
ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، بدأت مباشرة في عملية الاستيطان فيها، حيث بدأت بناء أول مستوطنة في الضفة في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أشهر فقط من الحرب، وهي مستوطنة “كفار عصيون” جنوب بيت لحم.
وانتشرت المستوطنات منذ ذلك الوقت لتتحول اليوم إلى كتلة حقيقية يصل نفوذها الأمني والعمراني والهيكلي إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية، ويسكنها أكثر من 540 ألف مستوطن، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في شرقي القدس وحدها.
ويتوزع هؤلاء على ثلاث كتل استيطانية رئيسية هي: كتلة مستوطنات نابلس في شمال الضفة، وأكبرها مستوطنة “أرئيل” التي صنفتها إسرائيل مدينة، وكتلة مستوطنات رام الله في وسطها، وأكبرها مستوطنة “موديعين”، وكتلة مستوطنات الخليل في جنوب الضفة، وأكبرها تكتل “غوش عصيون” الاستيطاني.
وبلغ عدد المستوطنات الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل 146 مستوطنة، إضافة إلى 104 مستوطنات أقرت الحكومة الحالية بناءها في الضفة منذ عام 2022، لكن هناك بالمقابل أكثر من 390 بؤرة استيطانية أقامتها مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يقومون اليوم بعمليات الإرهاب ضد السكان في الضفة.
والبؤر الاستيطانية هي بؤر توحش حقيقية تقيمها مليشيات مختلفة، أشهرها “فتية التلال” و”نحالاه” و”أمانا”، وهذه الجماعات هي التي يحاول اليوم نتنياهو وهاكابي التبرؤ منها واعتبارها مجرد “مشاغبين”.
الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ “وعد الرب” في هذه البقعة
هؤلاء الذين يسميهم نتنياهو “مشاغبين” ليسوا مجرد مجموعات صغيرة معزولة، بل إنهم جماعات قوية مسلحة، يرأسها عدد من أشد المتطرفين عنفا، وبرعاية حكومية كاملة. فشخص مثل زئيف حيفر، زعيم منظمة “أمانا”، يعتبر أهم شخصية غير حكومية في بناء المستوطنات والبؤر نفسها، حيث تعتبر حركته “أمانا” الذراع التاريخية الكبرى لتطوير المستوطنات المرتبطة بحركة غوش إيمونيم (جماعة الإيمان) الدينية المتطرفة.
ووصفها تقرير رسمي للخارجية الأمريكية في 2024 بأنها أكبر منظمة تعمل في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير الرسمية في الضفة الغربية، ومنظمته أسست عشرات البؤر على أراض فلسطينية.
وهذا الشخص نفسه كان عضوا في “التنظيم اليهودي السري” الذي أدين في ثمانينيات القرن العشرين بمحاولة تفجير قبة الصخرة المشرفة لإنشاء المعبد المزعوم مكانها، وقضى فترة في السجن. ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر الأشخاص نفوذا في المؤسسة الاستيطانية، حيث يملك شبكة علاقات واسعة داخل الحكومة والجيش والإدارة المدنية، وأدار شركات وهيئات مرتبطة بإنشاء البؤر الاستيطانية.
كما أنه مهندس فكرة “المزارع الرعوية” التي يهاجم فيها المستوطنون جنوب الضفة الغربية، مزارع الفلاحين الفلسطينيين وتجمعاتهم ويطردونهم بحجة إقامة مزارع ومناطق رعي أغنام خاصة بالمستوطنين، ويتباهى حيفر بأن فكرة مزارعه الرعوية باتت تسيطر على مساحة من الأراضي تبلغ 2.5 ضعف المساحة العمرانية لجميع المستوطنات مجتمعة في الضفة الغربية.
أما دانييلا فاييس، فهي شخصية باتت معروفة إعلاميا بجهودها في محاولة العودة لاستيطان قطاع غزة بالذات، ولها أيضا جهود كبيرة في الضفة من خلال حركتها “نحالاه” التي تدفع باتجاه إقامة تجمعات وبؤر جديدة هناك، وهي كانت أيضا عضوا في حركة غوش إيمونيم الدينية المتطرفة.
وكذلك يعمل رؤساء مجالس المستوطنات من أمثال يوسي داغان رئيس ما يسمى “المجلس الإقليمي في السامرة” لمستوطنات شمال الضفة، والذي يرعى عمليات الترهيب والاستيطان شمال الضفة، ويسرائيل غانتس رئيس ما يسمى “مجلس ماتيه بنيامين” ورئيس “مجلس يشع” الذي أصبح الهيئة المظلية الممثلة لجميع المستوطنات لدى حكومة الاحتلال.
اقرأ أيضا: أليكس كارب.. فيلسوف الإبادة الذي باع روحه لترمب وإسرائيل | سياسة
الضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل “يهودا والسامرة” التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات
وأما جماعات فتية التلال الإرهابية، فترأسها شخصيات شديدة التطرف الديني، ولعل من أخطر هذه الشخصيات إليشاع يريد، أحد قادة مليشيا “فتية التلال” وجماعة “تدفيع الثمن” المتورطة في إحراق منازل ومركبات الفلسطينيين وخاصة في قرية المغير، وكذلك مائير إيتتينغر، حفيد الحاخام المتطرف مائير كاهانا مؤسس منظمة “كاخ” الإرهابية، وكذلك بنتسيون غوبشتاين مؤسس وزعيم منظمة “لاهافا” المتطرفة، وهذا الأخير كان أيضا تلميذا للحاخام كاهانا.
هذه الشخصيات تسترشد برؤية الحاخام مائير كاهانا الذي يعتبر أحد الأسس التي تقوم عليها أفكار تيار الصهيونية الدينية اليوم في إسرائيل. حيث كان يرى ضرورة طرد الفلسطينيين بالقوة، وهذا هو شعار منظمته “كاخ” أي (هكذا) مع شعار البندقية. وهي مجموعات ترى في نفسها رسلا للرب ويد الله العظمى في الأرض، وهذا ما صرحت به أكثر من مرة دانييلا فاييس نفسها.
والضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل “يهودا والسامرة” التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات.
فإذا ذهبنا إلى المستوى الرسمي الإسرائيلي، نجد هذه الشخصيات مرتبطة بشكل كامل تقريبا بالوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فالأول مسؤول عن تمويل هذه الجماعات عبر تمرير مبالغ طائلة للاستيطان من خلال وزارة المالية التي يقف على رأسها، والأخير هو المسؤول الأول عن تسليح هذه الجماعات عبر إعلانه توزيع أكثر من 300 ألف قطعة سلاح على المستوطنين في الضفة الغربية دون أي قيود.
وهو ما يعني بالضرورة ارتباط هذه الشخصيات ذات الرؤية الدينية المشتركة ببعضها في تكامل واضح بين الرسمي وغير الرسمي في إسرائيل.
هذه الحقائق كلها تجعل كلام نتنياهو وهاكابي كلاما في الهواء، إذ إن نتنياهو يرى نفسه في مهمة مقدسة لتنفيذ رؤية “أرض الميعاد” كما صرح هو في الإعلام، وهاكابي يرى نفسه في مهمة إلهية لتنفيذ “رؤية الرب” في تفريغ هذه الأرض من سكانها لصالح من يرون أنفسهم “شعب الله”، وهو من أعلن أن الضفة الغربية لا بد أن تسمى “يهودا والسامرة”.
حيث صرح عام 2017 بوضوح ” لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة، ولا يوجد شيء اسمه مستوطنات؛ إنها مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال”.
ولا أخطر على العالم من وحشية نرجسيين يرون أنفسهم ممثلين لله في الأرض لا يخطئون ولا يناقشون، فهذه وصفة للكارثة كما أثبت التاريخ دائما.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: خلال الـ3 أشهر الماضية.. عمرو دياب المطرب الأكثر مشاهدة عبر اليوتيوب