مستشار مفتي الجمهورية: معالجة القضايا الاقتصادية إفتائيا تقتضي إدراك النص وحال المستفتي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

واصلت دورة “منهجية الفتوى المعاصرة” فعالياتها لتدريب مجموعة من الدارسين الوافدين من دولة ماليزيا على العمل الإفتائي ومناهج ممارسته، وينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية، في إطار جهود الدار الرامية إلى تأهيل الكوادر الإفتائية وإكسابها الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة الفتوى وفق ضوابطها الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر، وذلك في ضوء توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.

اقرأ أيضا: من الرسوم إلى الجغرافيا.. ترمب ينقل خلافه مع كندا إلى بحيرة أونتاريو | سياسة

اقرأ ايضا / مفتي الجمهورية: السكن والمودة والرحمة ركائزُ استمرار الأسرة وتحقيق العمران

ألقى الأستاذ الدكتور فياض عبد المنعم، المستشار المالي لفضيلة مفتي الجمهورية، وزير المالية الأسبق، محاضرة بعنوان “الفتوى والقضايا الاقتصادية المعاصرة”، تناول خلالها دور الفتوى في ضبط المعاملات المالية المستجدة، وأهمية الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع الاقتصادي، إلى جانب استعراض أبرز النوازل الاقتصادية التي تفرضها التحولات المتسارعة في الحياة المعاصرة.
وأكد أن معالجة القضايا الاقتصادية إفتائيًا تقتضي استحضار ثلاثة عناصر أساسية، هي إدراك النص، وإدراك الواقع، وإدراك حال المستفتي، موضحًا أن التكامل بين هذه العناصر يمثل السبيل إلى تحقيق مصالح الناس ومتطلباتهم في إطار مقاصد الشريعة. كما شدد على أهمية الإنتاج والسعي في طلب الرزق وتنمية الموارد، مبينًا أن الإسلام لا ينظر إلى العمل والإنتاج باعتبارهما شأنًا دنيويًّا منفصلًا عن العبادة، وإنما يحث على السعي والكسب وتنمية موارد المجتمع بما يحقق الاستقرار والرخاء ويخدم مصالح الناس.
وأوضح الدكتور فياض عبد المنعم أن التطور الاقتصادي والتقني المتسارع أدى إلى تغيرات كبيرة في أنماط الحياة والمعاملات، فبعد أن كانت الأنشطة الاقتصادية أكثر بساطة في صورها التقليدية، أفرزت الثورة الصناعية والتكنولوجية والاتصالات الحديثة صورًا جديدة من الشركات والمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار والبورصات والمصارف وغيرها، الأمر الذي فرض على المؤسسات الإفتائية تطوير أدواتها لمواكبة هذه المستجدات.


وأشار إلى أن المال من الضروريات التي جاءت الشريعة بحفظها، وأن سلامة التعامل معه تمثل عنصرًا أساسيًّا في استقرار المجتمع، مؤكدًا أن التطور المستمر في الأدوات والنظم الاقتصادية يستلزم فتوى قادرة على الجمع بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع. كما أوضح أن المجتمع المسلم ينبغي أن يقوم على قوة الإنتاج، ورشد الاستهلاك، والتكافل والتراحم، بما يحقق التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات الاقتصادية.
واستعرض المستشار المالي لمفتي الجمهورية عددًا من أبرز القضايا الاقتصادية المعاصرة التي تحتاج إلى معالجة إفتائية متخصصة، من بينها المعاملات المصرفية كشهادات الاستثمار والبطاقات البنكية والقروض وصور التمويل المختلفة، والأسواق المالية بما تشمل من ضوابط التعامل في البورصة والتداول الإلكتروني والعملات الرقمية والمشفرة، وقضايا الشركات والمؤسسات المالية مثل صكوك التمويل والتأمين التكافلي والحوكمة والمسؤولية الاجتماعية، فضلًا عن النوازل الاقتصادية العامة كالتضخم وتعويم العملة والأزمات المالية وما يترتب عليها من مستجدات تحتاج إلى اجتهاد فقهي يراعي آثارها ومآلاتها.
من جانبه، ألقى الدكتور عمر خطاب الرشيدي، مدير إدارة الموقع الإلكتروني بدار الإفتاء المصرية، محاضرة بعنوان “الضبط اللغوي وأثره في تحرير الفتوى”، أكد خلالها أن اللغة وعاء الشريعة وأداة أساسية لفهم النصوص الشرعية، وأن إتقان علوم العربية يعين المفتي على فهم السؤال واستيعاب النصوص وإدراك مراد الشارع وحسن صياغة الحكم الشرعي.
وأوضح فضيلته أهمية الاستفصال عن السؤال قبل تحريره، حتى يتمكن المفتي من الوقوف على مراد المستفتي وإعادة صياغة السؤال بصورة دقيقة تعبر عن الواقعة دون إخلال بتفاصيلها المؤثرة في الحكم. كما بيّن أن الفهم اللغوي الدقيق قد يكون مؤثرًا بصورة مباشرة في استنباط الحكم الشرعي، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، موضحًا أن التعبير بالجزء وإرادة الكل من الأساليب العربية التي لا يحسن فهمها إلا من امتلك أدوات اللغة ودلالاتها.
وأشار الدكتور عمر خطاب إلى اهتمام دار الإفتاء المصرية بالجانب اللغوي، ووجود تكامل بين الإدارات الشرعية والتحريرية في مراجعة الفتاوى بما يضمن سلامة مضمونها الشرعي ودقة صياغتها اللغوية قبل تقديمها إلى الجمهور. كما تناول الفرق بين التصحيح اللغوي والتحرير اللغوي، موضحًا أن التصحيح ينصرف إلى معالجة الأخطاء النحوية والإملائية، بينما يتجاوز التحرير ذلك إلى تحسين بناء العبارة وضبط المصطلحات ومراجعة الإحالات والضمائر وحذف الحشو والتكرار واختصار العبارة عند الحاجة بما يحافظ على المعنى ولا يخل بالدلالة الشرعية.
وتناولت المحاضرة مراحل تحرير الفتوى وحدود تدخل المحرر اللغوي، مؤكدًا أن دوره يتمثل في تحسين الصياغة وإيصال الحكم الشرعي بأوضح عبارة وأدقها، دون تغيير الحكم الذي قرره المختص أو المساس بدلالته. كما شهدت المحاضرة عددًا من التطبيقات العملية على نماذج من الفتاوى تناولت المصطلحات الفقهية وألفاظ الضرورة والتكرار والتعبير العامي والاستثناء والإطالة، بما يوضح كيفية تحقيق التوازن بين سلامة العبارة والمحافظة على الدلالة الشرعية.

اقرأ أيضا: أبرزها استمرار العمل عن بُعد خلال سبتمبر| الحكومة توافق على 12 قرارًا

اقرأ أيضا / مفتي الجمهورية يجتمع بأعضاء اللجنة المكلفة بالإعداد لمؤتمر «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى»

واختتم الدكتور عمر خطاب الرشيدي محاضرته بالتأكيد على أن الضبط اللغوي ليس مرحلة تجميلية في تحرير الفتوى، وإنما هو جزء من الأمانة العلمية في نقل الحكم الشرعي، وأن أي خلل في اللفظ أو التركيب أو الدلالة قد يؤدي إلى سوء فهم الحكم أو تغيير معناه، مشددًا على أن المفتي والمحرر اللغوي يعملان في إطار تكاملي؛ فالمختص الشرعي يقرر الحكم، بينما يسهم المحرر في تقديمه إلى القارئ بأدق عبارة وأوضحها، مع المحافظة الكاملة على مضمونه ودلالته، وأن الجمع بين سلامة التأصيل الشرعي ودقة الأداء اللغوي يمثل أحد أهم مقومات الفتوى المنضبطة.
وفي السياق ذاته، ألقى الأستاذ محمد فايد، مدير عام الإدارة العامة للإصدارات بدار الإفتاء المصرية، محاضرة بعنوان “آليات وطرق أرشفة الفتاوى”، تناول خلالها أهمية التوثيق في العمل الإفتائي، والتعريف بمنظومة أرشفة الفتاوى في دار الإفتاء المصرية، ودورها في حفظ التراث الإفتائي وتيسير استرجاعه والاستفادة منه في العمل العلمي والبحثي.
وأكد أن الأرشفة تمثل ذاكرة المؤسسة الإفتائية، وأن توثيق الفتاوى وحفظها بصورة منظمة يتيح الاستفادة من التراكم العلمي للمؤسسة ويعزز قدرتها على تطوير أدائها الإفتائي. وأوضح أن فتاوى دار الإفتاء المصرية ظلت تسجل ورقيًّا منذ عام 1895م حتى عام 2002م، ثم بدأت جهود تحويل هذا التراث إلى أرشيف منظم يتيح حفظه واسترجاعه والاستفادة منه، مشيرًا إلى أن عدد الفتاوى الموثقة يتجاوز 120 ألف فتوى.
كما أشار إلى جهود دار الإفتاء المصرية في نشر وإتاحة تراثها الإفتائي، حيث أصدرت نحو 75 عنوانًا في موضوعات متنوعة، من بينها فتاوى المرأة والشباب والحج والعمرة والمعاملات المالية وغيرها، إلى جانب إتاحتها من خلال بوابة دار الإفتاء المصرية.
وأوضح مدير عام الإدارة العامة للإصدارات بدار الإفتاء أن الهدف من الأرشفة لا يقتصر على مجرد حفظ الوثائق، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء قاعدة معرفية تراكمية تخدم مختلف مجالات العمل الإفتائي والعلمي، موضحًا أن من أبرز المستفيدين منها المفتي من خلال الرجوع إلى الفتاوى السابقة والاستفادة منها في المسائل المتكررة والنوازل المتشابهة، والباحث الشرعي من خلال دراسة التراث الإفتائي وتتبع تطور الفتوى والخطاب الإفتائي عبر الزمن، فضلًا عن الباحثين وطلاب الدراسات العليا بالأزهر الشريف الذين يستفيدون من المادة الإفتائية في إعداد الرسائل العلمية، مشيرًا إلى إسهام دار الإفتاء في الإشراف على نحو 120 رسالة ماجستير ودكتوراه تناولت موضوعات ذات صلة بالفتوى.
واختتم محاضرته بالتأكيد على أن أرشفة الفتاوى ليست عملًا إداريًّا محضًا، وإنما تمثل جزءًا أصيلًا من البنية العلمية للعمل الإفتائي؛ لما توفره من حفظ للتراث وتراكم للخبرة وإتاحة للمصادر أمام المفتين والباحثين، مشيرًا إلى أن الانتقال من الأرشيف الورقي إلى الأرشفة الرقمية والذكية أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العمل الإفتائي وحجم الإنتاج المتزايد، بما يسهم في سرعة الوصول إلى المعرفة الإفتائية وتحقيق أعلى درجات الاستفادة منها، مؤكدًا حرص دار الإفتاء المصرية على تطوير منظومة الأرشفة والتوثيق بما يحفظ تراثها الإفتائي ويجعله مرجعًا علميًّا موثقًا للأجيال القادمة وأداة فاعلة في تطوير العمل الإفتائي والبحث العلمي.

اقرأ أيضا: الكرملين يكشف تفاصيل زيارة مدير “سي آي إيه” المفاجئة إلى موسكو | أخبار

‫0 تعليق

اترك تعليقاً