من الإسكندرية إلى اليونسكو.. كيف أهدت مصر العالم يوم التراث المغمور بالمياه؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يكن اليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه من فراغ، مجرد إضافة مناسبة جديدة إلى أجندة الأيام الدولية، بل جاءت انعكاسًا لحاجة متزايدة إلى إعادة اكتشاف جزء من ذاكرة الإنسانية ما زال يقبع تحت سطح البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات.

اقرأ أيضا: وداعاً لازدحام الفروع| شركات المحمول تطلق «منظومة التحقق الرقمي» رسمياً في مصر

ويحظى التراث الموجود على اليابسة باهتمام واسع، ظل التراث الغارق لسنوات طويلة بعيدًا عن دائرة الضوء، رغم ما يختزنه من شواهد تكشف صفحات مهمة من تاريخ الحضارات وحركة التجارة والملاحة والتواصل بين الشعوب.

 

– ربطت بين البحث العلمي والحفاظ على الهوية

 

من هنا، اكتسبت المبادرة المصرية أهمية تتجاوز حدود الاحتفاء الرمزي؛ فهي نقلت قضية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه من نطاق التخصص الأكاديمي إلى مساحة الاهتمام الدولي، وربطت بين البحث العلمي والحفاظ على الهوية والتعاون الدولي والتنمية المستدامة.

 

اقرأ ايضا| أسرار الحضارات الغارقة تُكشف في قصر الأمير طاز.. محاضرة استثنائية عن الآثار المغمورة بالمياه

 

والأهم أن المبادرة لم تبدأ من مؤسسة دولية أو قرار سياسي، وإنما من سؤال علمي طُرح داخل جامعة الإسكندرية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مشروع مصري متكامل، عبر مسار أكاديمي ومؤسسي ودبلوماسي انتهى باعتماد منظمة اليونسكو يوم 21 أغسطس من كل عام يومًا عالميًا لهذا التراث.

 

– كواليس الرحلة المصرية

 

وتكشف «بوابة أخبار اليوم» في هذا التقرير كواليس الرحلة المصرية التي بدأت عام 2023 بسؤال طرحته الباحثة ندى كامل على أستاذها الدكتور عماد خليل: «هل يوجد يوم عالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه؟».. سؤال بدا في لحظته أكاديميًا بسيطًا، لكنه سرعان ما تحول إلى فكرة طموحة، ثم إلى مقترح رسمي، وصولًا إلى قرار دولي يمنح التراث المغمور بالمياه مساحة عالمية للتعريف بقيمته، وحمايته من المخاطر، ودعم البحث العلمي والتعاون الدولي.

رحلة المبادرة المصرية استغرقت قرابة 3 سنوات ترصدها “بوابة أخبار اليوم”، فكانت البداية في عام 2023، داخل أروقة جامعة الإسكندرية  وفي أجواء أكاديمية مشجعة، طرأ على ذهن  ندى كامل، الباحثة بمركز الآثار البحرية والتراث الثقافي الغارق بجامعة الإسكندرية، سؤلا مهمَا طرحته على أستاذها ومشرفها العلمي الدكتور عماد خليل، قائلة: “هل يوجد يوم عالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه؟”

وعندما أجاب بأنه لا يوجد يوم مخصص لهذا التراث، تساءلت: لماذا لا يكون له يوم عالمي، بينما توجد أيام عالمية عديدة ترتبط بالتراث، والآثار والتاريخ والثقافة وغيرها؟

 

– تحويل الفكرة إلى مقترح علمي

 

كان هذا السؤال هو الشرارة الأولى للمبادرة.. فقد لفت انتباه الأستاذ الدكتور عماد خليل، أستاذ الآثار البحرية وأستاذ كرسي اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية، إلى غياب مناسبة عالمية تسلط الضوء على هذا النوع الفريد من التراث، رغم أهميته التاريخية والعلمية والثقافية، ورغم ما يتعرض له من أخطار متزايدة.

ومن هنا، بدأ العمل على تحويل الفكرة إلى مقترح علمي متكامل يمكن تقديمه رسميًّا إلى منظمة اليونسكو. 

 

 

– كواليس المبادرة المصرية
                                                                                                                                                        
وكشف الدكتور عماد خليل، عن كواليس إطلاق المبادرة حيث  تقدم بمذكرة تفصيلية لليونسكو تناولت أهمية التراث الثقافي المغمور بالمياه، والقيمة العلمية والثقافية لهذا التخصص، والحاجة إلى رفع الوعي العالمي بأهمية حماية المواقع الأثرية الموجودة في البحار، والمحيطات والأنهار والبحيرات.

كما عرضت المذكرة الأهداف التي يمكن أن يحققها الاحتفال بيوم عالمي لهذا التراث، ومنها تشجيع البحث العلمي، ودعم التعليم والتدريب وبناء القدرات، ونشر الوعي العام، وتعزيز التعاون الدولي، والترويج لمبادئ اتفاقية اليونسكو لعام 2001، وتشجيع المزيد من الدول على الانضمام إليها وتطبيق مبادئها.

وتضمن المقترح أيضًا تصورًا لأشكال الاحتفال بهذا اليوم، مثل تنظيم المؤتمرات والمحاضرات والمعارض والأنشطة التعليمية، وإنتاج الأفلام والمواد الرقمية، وإشراك الطلاب والغواصين والمجتمعات الساحلية، إلى جانب الاحتفاء سنويًّا بأحد العلماء أو الرواد الذين قدموا إسهامات بارزة في مجال الآثار البحرية والتراث الثقافي المغمور بالمياه.

 

– مسار المبادرة

 

وحول مسار المبادرة، قال د.عماد خليل إنه تم تقديم المقترح من خلال مركز الآثار البحرية والتراث الثقافي الغارق وكرسي اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية، ثم رُفع إلى اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة، التي تعمل تحت مظلة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ومن اللجنة الوطنية، انتقل المقترح إلى وزارة الخارجية المصرية، ثم إلى الإدارة المعنية بشؤون اليونسكو والتراث العالمي، ومنها إلى وفد مصر الدائم لدى منظمة اليونسكو في باريس، ليبدأ بعد ذلك مسار دبلوماسي وإجرائي امتد لنحو عامين.

وتطلب هذا المسار سلسلة من المراجعات والمشاورات والاجتماعات مع قطاعات منظمة اليونسكو والدول الأعضاء، إلى جانب مناقشة أهداف اليوم المقترح، وأهميته، والتاريخ المناسب للاحتفال به، ومدى ارتباطه برسالة المنظمة واتفاقية عام 2001 وأهداف التنمية المستدامة.

اقرأ أيضا: وداعاً لازدحام الفروع| شركات المحمول تطلق «منظومة التحقق الرقمي» رسمياً في مصر

 

– سبب اختيار 21 أغسطس يوم عالمي للمبادرة

 

وبناءً على طلب مصر، أُدرج المقترح في جدول أعمال الدورة العشرين بعد المائتين للمجلس التنفيذي لليونسكو عام 2024. وبعد مناقشته، وافق المجلس التنفيذي على المبادرة، وأوصى بأن ينظر المؤتمر العام لليونسكو في إعلان يوم 21 أغسطس من كل عام يومًا عالميًّا للتراث الثقافي المغمور بالمياه.

وفي نوفمبر 2025، وصلت المبادرة إلى محطتها النهائية، حين عُرضت على المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثالثة والأربعين بمدينة سمرقند في أوزبكستان. وهناك أُقر المقترح نهائيًّا، وأصبح الحادي والعشرون من أغسطس من كل عام يومًا عالميًّا للتراث الثقافي المغمور بالمياه بفضل المبادرة المصرية.

 

– سبب اخيار 21 أغسطس يوم عالمي للمبادرة

 

وعن سر اختيار اليوم، كشف د. خليل، أنه لم يكن أمرًا مباشرًا؛ فقد شهدت الاجتماعات والمشاورات داخل اليونسكو مناقشات مطولة لاختيار تاريخ يحمل دلالة حقيقية ترتبط بروح التعاون الدولي في هذا المجال.

واستقر الاختيار على يوم 21 أغسطس، لأنه يوافق ذكرى انطلاق أول بعثة أثرية متعددة الأطراف للتراث الثقافي المغمور بالمياه تحت رعاية اليونسكو، والتي بدأت أعمالها في 21 أغسطس 2022 في منطقة سكيركي والقناة الصقلية، بين تونس وإيطاليا. والتي تعد أحد أهم طرق الملاحة التاريخية في البحر المتوسط، ومن أغنى المناطق بحطام السفن والآثار المغمورة بالمياه.

وكانت مشاركة مصر في هذه البعثة أحد الأسباب التي منحت تاريخ 21 أغسطس دلالة خاصة بالنسبة إلى المبادرة المصرية، فهو يجمع بين التعاون الدولي، والبحث العلمي، واستخدام التكنولوجيا المتقدمة، وتطبيق مبادئ اتفاقية اليونسكو.

 

– حماية للهوية البحرية والنهرية

 

وأكد “خليل” أن هذا اليوم سوف يشجع دول العالم على تنظيم أنشطة سنوية للتعريف بالتراث المغمور بالمياه، وربطه بالتنمية المستدامة والسياحة المسؤولة والاقتصاد الأزرق وحماية البيئة البحرية.

 كما يتيح الاحتفال فرصة لإبراز التراث البحري المادي وغير المادي؛ فإلى جانب السفن والموانئ والمدن الغارقة، يشمل التراث البحري تقاليد بناء القوارب، ومهارات الصيد والملاحة، وصناعة الشباك، والحرف والمصطلحات والأغاني والحكايات التي تشكل ذاكرة المجتمعات الساحلية وهويتها.

 وشدد أستاذ كرسي اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه بجامعة الإسكندرية عن ارتباط مصر القوي بالتراث المغمور بالمياه فهي تطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويخترقها نهر النيل، وتشكلت حضارتها عبر تفاعل مستمر مع البحر والنهر. ولذا  فإن حماية هذا التراث هي أيضًا حماية للهوية البحرية والنهرية المصرية، ولخبرات المجتمعات التي ارتبطت حياتها بالمياه على مدى آلاف السنين.

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يوجه بمراجعة عقود المطورين العقاريين وحماية حقوق المواطنين

‫0 تعليق

اترك تعليقاً