قبل نحو شهرين من الانتخابات الإسرائيلية، لم يعد الخطر الأكبر الذي يراه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو آتيا فقط من غادي آيزنكوت أو نفتالي بينيت، بل من داخل معسكره نفسه، لأن خريطة اليمين تتشظى إلى أحزاب وقوائم جديدة، وبعضها يتحرك حول نسبة الحسم، بما يجعل عشرات الآلاف من الأصوات قادرة على تقرير مصير الكتلة كلها.
اقرأ أيضا: رئيس الوزراء يشيد بالمقترحات الخاصة بمشروع تطوير كورنيش الإسكندرية
وفي تقرير لموران أزولاي وأمير إتينغر، المراسلين السياسيين في “يديعوت أحرونوت “، نُشر في 24 أغسطس/آب، ظهر حجم القلق في مكتب نتنياهو من عوفر فينتر تحديدا، فرفض العميد احتياط الانضمام إلى حزب قائم أو قبول مقعد محجوز دفع الليكود إلى حملة مركزة ضده. ونقل التقرير عن مسؤول بارز في كتلة نتنياهو قوله إن فينتر “لا يخاطب جمهورا خارج الكتلة، بل يحاول إعادة ترتيب الأصوات داخلها، وبذلك يعرقلها فعليا”.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
واستدعى نتنياهو انتخابات عام 1992، حين خسر إسحاق شامير أمام حزب العمل، محذرا من تكرار ما يسميه “حرق أصوات اليمين”، وفي فيديو انتخابي ألقى ورقة في سلة المهملات، وقال إن إنشاء “أحزاب صغيرة ” قد يجعل أصوات المعسكر تذهب هباء.
ووسّع خطابه، وفق “هآرتس” في 24 أغسطس/آب، للتحذير من وصول آيزنكوت واليسار إلى الحكم، كما تبنى سموتريتش التحذير نفسه، واصفا الانقسامات بأنها “مغامرات خطيرة” ومحذرا من “سيناريو 1992”.

8 منافسين
ووفق تقرير المعلق السياسي للقناة 12 عميت سيغال في 24 أغسطس/آب، تتحدث تقديرات الليكود عن احتمال تنافس 8 أحزاب على أصوات المعسكر، ومن أبرزها حزب فينتر، و”هأحدوت” بقيادة جلعاد أردان، و”زيهوت” بزعامة موشيه فيجلين، و”نوعام” بزعامة آفي ماعوز.
ويضيف الكاتب السياسي في “معاريف” ماتي توخفيلد -في تقرير نُشر في اليوم نفسه- أن أردان ويولي إدلشتاين يسوقان “هأحدوت” بوصفه حزبا يمينيا، بينما أعلن فيجلين وميخائيل بن آري الترشح معا، ويتصرف “نوعام” كمن يستعد لخوض الانتخابات منفردا، كما برز اسم أمير أفيفي بوصفه صاحب مشروع سياسي محتمل، بما يزيد ازدحام الخريطة قبل إغلاق القوائم في 8 سبتمبر/أيلول.
ويُعد فينتر هو العقدة الأصعب لأنه لا يقدم نفسه خصما للمعسكر بل بديلا داخله، ونقلت القناة 12 عن مقربين منه أن اليمين “لا يمكن أن يصل إلى الانتخابات بالشكل نفسه” بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأن حزبا جديدا مطلوبا لاستعادة ناخبين فقدوا الثقة بالأحزاب القديمة. وفي الوقت نفسه، تعهد فينتر بالبقاء ضمن كتلة نتنياهو بعد الانتخابات، لطمأنة الناخب بأن صوته لن ينتقل إلى المعسكر الآخر.

لكن استطلاع القناة 12 في 24 أغسطس/آب يكشف المفارقة، ففي سيناريو ترشحه يتجاوز حزبه نسبة الحسم بأربعة مقاعد، لكن الصهيونية الدينية تهبط إلى 2.4% وتخرج من الكنيست، ويتراجع الليكود إلى 21 مقعدا، وتنخفض كتلة نتنياهو من 50 إلى 49 مقعدا، مقابل 71 لمعارضيه، منها 60 للأحزاب الصهيونية.
والصورة نفسها ظهرت في استطلاع “يسرائيل هيوم”، الذي عرضه إيلي زيلبربرغ في 20 أغسطس/آب، وهي أن مقاعد فينتر الأربعة لا تأتي من معسكر الخصوم بل من اليمين الأصلي؛ من الليكود والصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت، أي أن نجاحه يعيد توزيع قوة اليمين أكثر مما يوسعها.
أصوات مهدورة
لكن الأخطر هو ما يجري تحت نسبة الحسم البالغة 3.25%. ففي استطلاع “معاريف” الذي نشره موشيه كوهين في 21 أغسطس/آب، بقيت عدة قوائم -بينها فينتر وأردان وغانتس و”الاقتصاد الجديد”- خارج الكنيست، وبلغ مجموع أصوات الأحزاب التي لم تعبر العتبة الانتخابية 8.3%، أي نحو عشرة مقاعد.

وتزداد حساسية الحسابات لأن تقديرا نشرته القناة 12 -في 12 أغسطس/آب- أشار إلى أن مشاركة انتخابية بنحو 75% قد تجعل اجتياز نسبة الحسم يحتاج إلى زهاء 180 ألف صوت، ومن ثم فإن عشرات الآلاف من الأصوات لقائمة لا تبلغ العتبة تختفي من توزيع المقاعد، وترفع عمليا وزن القوائم التي تجاوزتها.
ولهذا لا يتحدث نتنياهو عن نسبة الحسم وحدها بل عن هندسة الكتلة، ففي تقرير أزولاي في “يديعوت أحرنوت” في 22 أغسطس/آب، نقل عن نتنياهو قوله في محادثات مغلقة إنه يريد الوصول إلى الانتخابات بأربع قوائم فقط، لأن قائمة خامسة قد تبقى بلا اتفاق فائض أصوات وتكلف المعسكر “نصف مقعد”، أما الذهاب بست قوائم فيعني -بتقديره- أن واحدة منها “ستسقط بالتأكيد”، ووصف المسألة بأنها “وجود أو عدم”.
اقرأ أيضا: من بائع سيارات إلى أمير.. كيف اكتشف شاب أن والده شقيق الملك؟ | منوعات
وكشف حزب “هأحدوت” مشكلة مختلفة، فهو يستهدف يمينا غير راض عن نتنياهو، لكنه يرفض الالتزام بحكومة ضيقة بقيادته. ووفق المراسل السياسي في “كان 11” شاحر غليك، دخل أردان في اتصالات أولية مع غانتس بشأن اتحاد محتمل، في حين يتمتع غانتس بتمويل حزبي يقارب 15 مليون شيكل. ولذلك يخشى الليكود ألا تكون أصوات أردان مهدرة فقط، بل أن تنتقل عبر تحالف لاحق إلى الكتلة المنافسة.

في المقابل، يتحرك “نوعام” داخل اليمين الأيديولوجي المتشدد، وذكرت المراسلة السياسية في “هآرتس” نوعا شبيغل -يوم 23 أغسطس/آب- أن الحزب بقيادة آفي ماعوز ضم ياسكا حاييموف، شقيقة رئيس الشاباك ديفيد زيني، مواصلا بناء قائمته بصورة توحي بالاستعداد لترشح مستقل، وماعوز نفسه دخل الكنيست عام 2022 ضمن كتلة تقنية مع الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت، قبل العودة اليوم إلى خيار الانفصال.
لذلك يعمل نتنياهو في اتجاهين متعاكسين: إضعاف الأحزاب الصغيرة مبكرا كي تنسحب أو تتحد، وإبقاء باب الصفقات والاحتواء مفتوحا. وقال المستشار الإستراتيجي أتيلا شومبيلبي في حديثه لإذاعة “103 إف إم” -في 24 أغسطس/آب- إن نتنياهو يريد الوصول إلى مرحلة تقتنع فيها الأحزاب الصغيرة، قبل إغلاق القوائم، بأنها لن تتجاوز نسبة الحسم، فتضطر إلى الانسحاب أو الاندماج أو قبول مقعد محجوز.
لكن هامش المناورة أضيق من انتخابات عام 2022، فسموتريتش يرفض حتى الآن العودة إلى بن غفير، وفينتر يرفض الذوبان في الأحزاب القائمة، وأردان يحتفظ بخيار التحالف خارج كتلة نتنياهو. أما الكاتب إسرائيل هارئيل، فيقدّر -في مقال بـ”هآرتس” في 21 أغسطس/آب- وجود شريحة من يمين الوسط تعادل نحو 10 مقاعد أو أكثر تبحث عن عنوان جديد، ويرى في فينتر مرشحا لالتقاط جانب منها.
في الخلاصة حتى الآن، لا تثبت الاستطلاعات أن شظايا اليمين توسع كتلة نتنياهو؛ بل تُظهر أنها قد تعيد توزيع مقاعدها أو تدفع بعضها تحت نسبة الحسم، لذلك تتحول معركته حتى 8 سبتمبر/أيلول من مواجهة المعارضة إلى فرض الانضباط على معسكره ومنع الأصوات من السقوط خارج الكنيست. وإذا فشل في تقليص عدد القوائم، فقد يبقى اليمين واسعا انتخابيا، لكنه يصبح أقل قدرة على تحويل أصواته إلى الأغلبية الحاسمة، وهي 61 مقعدا.
اقرأ أيضا: التأمينات الاجتماعية: تقسيط مديونيات الشركات والمصانع بمقدم 5%