لم يعد سؤال «كم الساعة على القمر؟» مجرد فضول علمي، بل تحول إلى تحد تقني حقيقي مع اقتراب البشرية من العودة إلى سطح القمر، وازدياد خطط إرسال الرواد والمركبات والأقمار الاصطناعية إلى محيطه.
ففي الوقت الذي تستعد فيه وكالات الفضاء لمرحلة جديدة من الاستكشاف القمري، يبرز احتياج أساسي قد يبدو بسيطا للوهلة الأولى ساعة موحدة يمكن للجميع الاعتماد عليها خارج الأرض.
لماذا يختلف الوقت على القمر؟
المفارقة أن الساعة على القمر لا تسير بالمعدل نفسه الذي تسير به الساعة على الأرض ويرجع ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى الاختلاف الكبير في الجاذبية.
وبسبب هذه الفروق، تسير الساعات على سطح القمر أسرع بنحو عشرات الميكروثواني يومياً مقارنة بالساعات الموجودة على الأرض وقد يبدو هذا الفارق غير محسوس بالنسبة للإنسان، لكنه يصبح بالغ الأهمية عندما يتعلق الأمر بأنظمة الملاحة والاتصالات التي تعتمد على قياسات زمنية شديدة الدقة.
ومع تزايد عدد المهمات القمرية، فإن الاعتماد على توقيت منفصل لكل مركبة أو بعثة لن يكون عملياً على المدى الطويل.
«توقيت قمري» لتنظيم الحياة خارج الأرض
لهذا السبب، تعمل وكالة ناسا على تطوير مفهوم التوقيت القمري المنسق، ليكون مرجعاً زمنياً مشتركاً يمكن أن تستخدمه المركبات ورواد الفضاء والأقمار الاصطناعية العاملة حول القمر وعلى سطحه.
ومن المنتظر أن يستند النظام إلى قياسات مجموعة من الساعات الذرية، بطريقة تشبه الآلية التي يقوم عليها التوقيت العالمي المنسق «UTC» على الأرض.
والهدف ليس تحديد موعد شروق الشمس أو وقت النوم فحسب، وإنما إنشاء «بنية تحتية زمنية» قادرة على تنظيم عمليات الملاحة والاتصالات وتبادل البيانات بين الأنظمة المختلفة.
النانوثانية قد تغيّر موقعك!
في عالم الملاحة الفضائية، لا توجد رفاهية تجاهل أجزاء الثانية.
فأنظمة تحديد المواقع تعتمد على قياس الوقت الذي تستغرقه الإشارات في الانتقال بين الأقمار والمستقبلات. وكلما ازداد الخطأ الزمني، ازداد معه احتمال حدوث خطأ في تحديد الموقع.
وتكمن المفاجأة في أن نانوثانية واحدة فقط يمكن أن تعادل انتقال الضوء لمسافة تقارب ثلث متر لذلك، فإن تراكم فروق زمنية بالغة الصغر يمكن أن يتحول في النهاية إلى أخطاء مؤثرة في عمليات الملاحة.
وهنا يصبح التوقيت الدقيق بالنسبة إلى القمر أشبه بالأساس الذي تقوم عليه منظومة كاملة من الخدمات الفضائية المستقبلية.
لا وجود لـ«التوقيت الصيفي» على القمر
ورغم التشابه مع أنظمة الوقت على الأرض، فإن الساعة القمرية لن تحتاج إلى تغيير موسمي على غرار التوقيت الصيفي الذي تطبقه بعض الدول.
اقرأ أيضا: ضبط أصحاب 3 مخابز استولوا على 21 جوال دقيق مدعما بالغربية
الفكرة ببساطة هي إنشاء مرجع زمني ثابت ودقيق، يمكن ربطه بالتوقيت الأرضي مع مراعاة الفروق الناجمة عن الجاذبية وحركة الأجسام في الفضاء.
«غرينتش القمري» بداية عصر جديد
لكن أهمية المشروع تتجاوز الجانب التقني فمع تنافس الولايات المتحدة والصين وقوى فضائية أخرى على إرسال بعثات متزايدة إلى القمر، تتجه الأنظار إلى بناء بنية تحتية يمكن أن تدعم وجوداً بشرياً دائماً خارج الأرض.
وكما أصبح توقيت غرينتش والتوقيت العالمي المنسق من الركائز الأساسية للملاحة وتنظيم الحياة على كوكبنا، قد يحتاج القمر قريباً إلى معيار زمني خاص به، يمكن وصفه مجازياً بأنه «غرينتش القمري».
فالسباق إلى القمر لم يعد يتعلق فقط بمن يصل أولاً، بل بمن يضع القواعد التي ستنظم حركة البشر والآلات والبيانات في عالم فضائي جديد.
قد تكون الساعة القمرية واحدة من أولى القطع الأساسية في البنية التحتية لعصر اقتصادي وعلمي جديد يتجاوز حدود الأرض.
اقرأ أيضا: اليوم.. مجلس إدارة الأهلي يجتمع لمناقشة ملفات رياضية وإدارية