بين أمواج البحر وصخب يوليو الحارق في عام 1952، لم تكن الإسكندرية تشهد مصيفاً عادياً، بل كانت مسرحاً لأعظم فصل في تاريخ مصر الحديث؛ فصل تتساقط فيه خيوط العهد الملكي لأسرة محمد علي كأوراق شجر الخريف.
اقرأ أيضا: وزير النقل: شراكة مصرية أمريكية لتعزيز تنافسية الموانئ وسلاسل الإمداد العالمية
ومن شاطئ قصر رأس التين، حيث يمتزج عبق التاريخ برائحة اليود، كانت عيون الملايين ترقب يخت “المحروسة” وهو يشق عباب البحر حاملاً آخر ملوك مصر على عرشها الاسمي، طفلاً رضيعاً لا يتجاوز أشهره الأولى، ووالداً يجر أثقال التنازل الأخير.. لتبدأ من هنا حكاية ‘مدينة الأقدار’.”
مدينة الأقدار
غادر الملك فاروق ومعه ابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني والذي سيصبح بمرور الأيام آخر ملك لمصر، لتصبح من بعدها هذه الذكرى هي العيد القومي لعروس البحر المتوسط.
وفي قصر رأس التين وقع فاروق على وثيقة تنازله عن حكم مصر لصالح ابنه قبل صعوده على متن يخت المحروسة مغادرًا إلى منفاه في إيطاليا ليعود بعد تلك الرحلة يخت المحروسة إلى مصر خاليًا من آثار حقبة العصر الملكي ويبقى ملكًا خالصا للمصريين.
شاهد عيان
يعود بنا الخبير الأثري أحمد عبد الفتاح مدير متاحف وآثار الإسكندرية إلى تلك الساعات التاريخية الحاسمة ليس من منظور المؤرخ فقط لكن كشاهد عيان في الوقت نفسه، قائلًا:” كنت طفلًا في الثامنة من عمري حينها أجلس بجوار والدي في بيتنا بحي باكوس وكان يدير المذياع القديم لينطلق منه صوت الإعلامي جلال معوض مشوباً بضجيج الثورة، ليعلن الخبر الذي غير التاريخ “خروج الملك فاروق من مصر” ثم سمعنا بعد ذلك بيان الرئيس السادات.
يتذكر “عبد الفتاح” تلك اللحظات الفاصلة قائلاً: “غمرت البهجة وجه أبي فقد كان الشعب قد ضاق حينها بما سمعه عن فساد الملك ولذا فقد لاقت الثورة ترحيبًا شعبيًا وخاصة من أبناء الطبقة الوسطى ففاضت الشوارع يومها بالبشر، وخرج أبي بينهم وعلى وجه ابتسامة نصر وأتذكر قوله لأحد المارة في الشارع “الصنم وقع.. فاروق سقط”.
ويؤكد “عبد الفتاح” أن الإسكندرية هي “مدينة الأقدار” فقد شهدت محطات سياسية فارقة للملوك؛ فمنها خرج محمد علي باشا ميتاً من قصر رأس التين ونُقل عبر ترعة المحمودية إلى القاهرة، ومنها رحل كلا من الخديوي إسماعيل وعباس حلمي الثاني إلى المنفى عبر يخت المحروسة، وهي ذات السفينة التي غادر عليها الملك فاروق وابنه الرضيع أي أن 4 ملوك ارتبطت مصائرهم بالخروج من الإسكندرية على متن المحروسة.
وأوضح أن يوم 26 يوليو قد اختير عيداً قومياً لأنه شهد رحيل آخر حاكم أجنبي عن مصر وبدأ عهد السيادة المصرية بعد قرون طويلة من الحكام ذوي الأصول الأجنبية، مشيرًا إلى أن الناظر لتاريخ مصر يرى خصوصيتها التي أثبتت أن الثورة لا تنجح إلا بوجود جيش قوي ومؤهل يحمي البلاد؛ لذا كان الجيش هو صاحب المبادرة للتغيير والمُعبر الطبيعي عن إرادة الشعب، بخلاف نمط الثورات الأخرى كالثورة الفرنسية والروسية وغيرها.
اقرأ أيضا: عمر فايد يستعد للظهور الأول مع فروزينوني أمام يوفنتوس بالدوري الإيطالي
أما د. إسلام عاصم نقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية وأستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر فيأخذنا إلى كواليس السياسة وأروقة القصور ليزيل غبار اللبس التاريخي الشائع؛ كون الإسكندرية في مركز تلك الأحداث لم يكن مصادفة، بل لأنها كانت المقر الصيفي للحكومة هرباً من حر القاهرة فكان وجود الملك فاروق في الإطار المعتاد ولهذا السبب فقد شهدت اللحظات الأخيرة لحكم الملك فاروق بتنازله عن الحكم لصالح ابنه الرضيع قبل خروجه منها.
ويشير عاصم إلى لبس تاريخي لدى البعض وهي اعتبار 26 يوليو 1952 هو تاريخ سقوط الملكية في مصر فور إزاحة فاروق، ولكن تاريخيا فالملكية لم تسقط في ذلك الوقت بل ظلت مصر مملكة اسميًا حتى عام 1953، فقد كان أحمد فؤاد الثاني الرضيع الذي غادر البلاد ولم يبلغ شهره السادس هو آخر الملوك فعلياً، تحت وصاية مجلس أدار الحكم نيابة عنه قبل إعلان الجمهورية.
ويرى عاصم أن ماحدث لفاروق لم يكن أمرًا جديدًا في أسرة محمد على فقد سبق خروج الخديوي إسماعيل تاركا الحكم لابنه الخديوي توفيق بضغوط استعمارية لذا يرجح أن مافعله فاروق بتخليه عن العرش لم يكن نابعًا من الخوف ولكن محاولة سياسية لبقاء العرش في يد ابنه ولصالح أسرة محمد علي كما حدث سابقًا، ولكن تطورت الأمور بعد ذلك وأعلن الزعيم جمال عبد الناصر انتهاء الفتره الملكية وبداية الجمهورية.
هكذا ظلت الإسكندرية شاهدة على ختام حقبة وبداية فجر جديد؛ مدينة تتكسر على صخورها عروش، وتولد في أزقتها أقدار أمة بأكملها.”
اقرأ أيضا: الدكتور أحمد الطيب يستقبل وزير التخطيط لبحث تلبية احتياجات الأزهر