انس كل ما تعرفه عن لدغات الأفاعي.. العلم يرسم خريطة النجاة | علوم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في كثير من المناطق الريفية حول العالم، لا تبدأ قصة لدغة الأفعى بمجرد حادث مفاجئ، بل هي نتيجة لتفاعل بيئي واجتماعي معقد تتشابك فيها خيوط الفقر، والعمل الزراعي، وغياب الحماية الشخصية.

اقرأ أيضا: تشكيل أهلي جدة المتوقع لمواجهة أبها في الدوري السعودي

لطالما نظر إلى لدغات الأفاعي على أنها شيء عشوائي لا يمكن التنبؤ به، لكن دراسة حديثة واسعة النطاق منشورة في دورية “نجلكتيد تروبيكال ديزيز” العلمية جاءت لتغير هذا المنظور، وتضع إطارا علميا لفهم الأزمة وحلها من جذورها.

يقول جايديب مينون، الباحث الرئيسي بالدراسة من معهد أمريتا للعلوم الطبية بالهند، في تصريحات حصرية للجزيرة نت “إذا أردنا تلخيص الفئات الأكثر هشاشة وتأثرا في جملة واحدة، فهم سكان المناطق الريفية في المناطق المدارية أثناء ممارستهم للأنشطة والمهن الخارجية”.

تختفي أفعى
أفعى “سالازار” الحفرية تختفي ببراعة وسلاسة وسط شجيرات الشاي ذات الألوان الزاهية بمنطقة “آسام” الهندية (راميز علي)

التنقيب في قواعد البيانات

حلل الفريق البحثي قاعدة بيانات ضخمة شملت 214 ألفا و708 حوادث لدغ أفاعي تم جمعها من 142 دراسة علمية سابقة امتدت لعقود وشملت دولا متعددة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأظهرت النتائج أن هذا التماس المستمر بين البشر والأفاعي يخضع لسيناريوهات متكررة ترتبط بطبيعة الأنشطة اليومية والمهنية للبشر وسعيهم لتأمين قوت يومهم.

ويقول جايديب “تعتمد النتائج بشدة على الوقت اللازم لبدء العلاج. القضية الشائكة أن الضحايا يصبحون في سباق مع الوقت، فهم لا يصلون للمنشآت الصحية حيث المصل أكثر كفاءة، خاصة مع فصائل الكوبرا والكرايت؛ فالمصل يعادل فقط أجزاء السم الحر في الدم ولا يستطيع تحييد السم الذي ارتبط بالفعل بالأنسجة”.

ووفق البيانات الإحصائية الواردة في المراجعة المنهجية، فإن الأنشطة الزراعية والعمل في الحقول والمزارع يستأثران بنسبة تزيد على 59% من الظروف المصاحبة للحالات المرصودة. وتعد حقول المحاصيل ومزارع الشاي والمطاط والبيئات القريبة من الغابات الملاذ الطبيعي لهذه الزواحف، مما يضع المزارعين الذين يمارسون أعمالهم اليومية في خطر مباشر.

وتؤكد الأرقام أن نحو 79% من اللدغات تتركز في الأطراف السفلية من الجسم، وهو ما يشير إحصائيا إلى أن معظم الحوادث تقع بسبب السير دون استخدام أحذية واقية مناسبة أثناء الوجود في الحقول والبيئات العشبية.

كما كشفت البيانات عن تفاصيل دقيقة تدحض الاعتقاد الشائع بأن الأفاعي تنشط حصرا في الليل. فقد تبين أن ما يقرب من 53% من اللدغات تحدث خلال ساعات النهار، وتسجل ذروتها في الفترة الممتدة من منتصف النهار وحتى السادسة مساء بنسبة تصل إلى 39% من الإجمالي، وهي الفترة التي تتطابق تماما مع أوقات ذروة الحركة والنشاط البشري في الحقول. وفي المقابل، ترتبط اللدغات الليلية والمسائية بعوامل سلوكية وبيئية أخرى تتعلق بطبيعة السكن وجودة الإنارة في القرى النائية.

دورة تدريبية للأطباء حول مهارات دعم الحياة، بما في ذلك الإنعاش والتنبيب في كانور، كيرالا، الهند. حقوق الصورة: جايديب مانون
دورة تدريبية للأطباء حول مهارات دعم الحياة بما في ذلك الإنعاش والتنبيب في كانور التابعة لكيرالا الهندية (جايديب مانون)

الهند نموذجا

لتطبيق هذه المفاهيم والبيانات عمليا، ركزت الدراسة على الهند كأكبر بؤرة عالمية متضررة من هذه المشكلة، حيث تسجل البلاد نحو 58 ألف حالة وفاة سنويا بسبب هذه اللدغات.

وفي هذا السياق، تظهر الهند كنموذج دراسي متميز لفهم طبيعة هذا الصراع، حيث تشتهر بوجود مجموعة من الأفاعي السامة يطلق عليها اسم الأربعة الكبار، وهي مسؤولة عن النسبة الأكبر من حالات التسمم والوفيات الشديدة.

تضم هذه المجموعة أفاعي تسبب سمومها اضطرابات شديدة في تخثر الدم ونزفا حادا مثل أفعى راسل والأفعى الحرشفية المنشارية، بالإضافة إلى أنواع أخرى تهاجم سمومها الجهاز العصبي مسببة شللا يمنع الضحية من التنفس بسلاسة مثل الكوبرا وثعبان الكرايت الشائع.

وينشط ثعبان الكرايت تحديدا في الليل ويدخل المنازل الريفية المتواضعة باحثا عن الدفء، مما يتسبب في لدغات غير مؤلمة أثناء نوم الضحايا على الأرض تؤدي لاحقا لشلل تنفسي صامت يصعب كشفه أو علاجه سريعا إذا تأخر تقديم المصل المضاد.

وتشير الدراسة إلى وجود بعض المحددات المنهجية التي يجب الانتباه إليها عند قراءة هذه النتائج، ومنها وجود تباين جغرافي كبير في مصادر البيانات. حيث اعتمدت أكثر من 60% من الدراسات المشمولة على شبه القارة الهندية، مما قد يحد من دقة تعميم هذه النسب على بيئات جغرافية أخرى كأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضا: مانشستر يونايتد في مواجهة سهلة أمام هال سيتي بـ البريميرليج

ويعلق جايديب “يسجل أكثر من 70% من حالات اللدغ والتسمم في جنوب وجنوب شرق آسيا، وتستأثر الهند وحدها بنصف عبء الإصابات والوفيات المنسوبة للدغات الأفاعي عالميا.” كما يعاني رصد الحالات في بعض البيئات الريفية النائية من ضعف التوثيق الإداري، مما يعني أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير في بعض المجتمعات المعزولة.

دورة تدريبية للعاملين في المجال المجتمعي في
تدريب على التعامل مع الأفاعي للعاملين بالمجال المجتمعي في “كيلاكام” بولاية كيرالا جنوب الهند (جايديب مينون)

كيف تقي نفسك لدغات الأفاعي؟

بناء على المؤشرات البيئية والسلوكية المرصودة في الدراسة، يقدم البحث مجموعة من التوصيات الوقائية الفعالة والعملية التي يمكن تقسيمها إلى فئتين رئيسيتين لتسهيل التطبيق اليومي وحماية الأرواح. تشمل الفئة الأولى تدابير السلامة في الحقول وأماكن العمل. حيث يركز الخبراء على ضرورة ارتداء الأحذية الطويلة الواقية والقفازات السميكة أثناء ممارسة الأنشطة الزراعية أو إزالة الأعشاب، لضمان حماية الأطراف السفلية والعلوية التي تستقبل الغالبية العظمى من اللدغات. كما يوصى بتجنب السير في الممرات الزراعية الكثيفة دون استخدام عصا لاستكشاف الطريق وتنبيه الأفاعي المتخفية للابتعاد.

أما الفئة الثانية فتركز على تدابير السلامة في المنازل والبيئة المحيطة. وتتضمن استخدام الناموسيات المحكمة جيدا أثناء النوم، وخاصة عند النوم على الأرض، لمنع اقتراب الأفاعي الليلية التي تبحث عن الدفء بجانب النائمين.

ويجب سد الشقوق والفتحات في جدران المنازل الريفية، والتخلص من أكوام القمامة والحشائش القريبة التي تجذب القوارض وتوفر مخابئ مثالية للزواحف، مع الحرص التام على عدم السير ليلا في القرى والمناطق المظلمة دون استخدام كشافات ضوئية لضمان رؤية الطريق بوضوح وتجنب الدوس عليها بالخطأ.

وتؤكد هذه الدراسة المنهجية أن التسمم الناتج عن لدغات الأفاعي ليس قدرا محتوما، بل هو خطر بيئي يمكن التنبؤ به والحد منه بشكل كبير من خلال دمج هذه الإجراءات الوقائية البسيطة في برامج التنمية الريفية والصحة المهنية.

ويختتم جايديب تصريحاته بالدعوة لتغيير السياسات بقوله “تحتاج الدول لوضع خطة عمل وطنية شاملة مدعومة بالتخصيص المالي الفوري. التسمم بالدغات الأفاعي حالة يمكن الوقاية منها تماما، وإذا تضافرت جهود صناع القرار والأنظمة الصحية والباحثين، فإن تحقيق هدف صفر وفيات ليس هدفا نظريا بل هو قابل للتحقيق”.

اقرأ أيضا: تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع أمام هال سيتي في البريميرليج

‫0 تعليق

اترك تعليقاً