قبل أكثر من 300 مليون عام، شهد كوكب الأرض تغيرًا مناخيًا استثنائيًا، بدأ بارتفاع حراري محدود قبل أن يتحول إلى موجة احترار واسعة تركت آثارًا عميقة في المحيطات والكائنات البحرية، واليوم، يعود هذا الحدث القديم إلى الواجهة بعدما كشفت دراسة حديثة عن أوجه تشابه تثير تساؤلات بشأن قدرة الأنظمة المناخية على التحول المفاجئ.
اقرأ أيضا: ارتفاع مصابي الجنود الأمريكيين في الحرب الإيرانية لـ 750 شخصا
عالم جليدي انقلبت ملامحه
قبل نحو 304 ملايين سنة، كانت الأرض تعيش في مرحلة تُعرف بـ«العالم الجليدي»، حيث انتشرت الصفائح الجليدية على مساحات واسعة، وكان المناخ أكثر برودة مقارنة بمراحل أخرى من تاريخ الكوكب.
لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، إذ شهدت الأرض ارتفاعًا سريعًا نسبيًا في درجات الحرارة، بالتزامن مع تغيرات كبيرة في كيمياء المحيطات وتراجع العديد من الكائنات البحرية.
وتوصلت دراسة نشرت في 10 أغسطس بمجلة «Proceedings of the National Academy of Sciences» إلى أن هذا الحدث، المعروف باسم «الحد الأقصى الحراري الكاسيموفي-الغزيلي»، يمثل نموذجًا نادرًا لاحترار مفاجئ وقع داخل عالم جليدي.
ويرى لي ياو، المؤلف الرئيسي للدراسة والأستاذ المشارك في علم الحفريات بمعهد نانجينغ للجيولوجيا والحفريات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، أن أهمية الاكتشاف تكمن في إظهار مدى هشاشة النظام المناخي حتى عندما تكون الأرض في حالة جليدية.
أسنان صغيرة تكشف سر المناخ القديم
بدأ الباحثون رحلة البحث من حفريات صغيرة لكائنات بحرية منقرضة تُعرف باسم «الكونودونت» أو مخروطيات الأسنان.
ورغم حجمها المتناهي الصغر، فإن أسنان هذه الكائنات تحمل بصمات كيميائية تساعد العلماء على تقدير درجات حرارة المياه التي عاشت فيها، لتتحول بذلك إلى ما يشبه «موازين حرارة» طبيعية محفوظة في الصخور منذ مئات الملايين من السنين.
وجمع الفريق عينات من ثلاثة مواقع كانت قريبة من خط الاستواء القديم، بينها مقطعا ناشينغ وناراو في جنوب الصين، ومقطع أوسولكا في جنوب الأورال بروسيا.
كما درس العلماء نظائر الكربون والزئبق، واستعانوا بالنماذج المناخية لإعادة بناء صورة أكثر شمولًا للظروف التي كانت تسود الأرض في ذلك العصر.
7.5 درجة مئوية قلبت المشهد
كانت النتائج لافتة؛ إذ تشير تقديرات الدراسة إلى ارتفاع متوسط حرارة سطح الأرض بنحو 7.5 درجات مئوية، بالتزامن مع ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من قرابة 300 إلى 700 جزء في المليون خلال نحو 175 ألف سنة.
ورغم أن هذه الفترة تبدو طويلة وفق المقياس البشري، فإنها تُعد قصيرة للغاية في مقياس التاريخ الجيولوجي للأرض.
ويؤكد لي ياو أن ما حدث لم يكن مجرد تغير بطيء امتد لملايين السنين، وإنما قفزة حرارية كبيرة وقعت بينما كانت الصفائح الجليدية لا تزال موجودة، وهو ما يشير إلى أن المناخ الجليدي ليس محصنًا بالضرورة ضد الاحترار السريع.
شرارة صغيرة أشعلت سلسلة من التغيرات
لا يرجح الباحثون أن الاحترار بدأ بشكل مفاجئ وكامل، بل ربما كانت هناك شرارة أولى تمثلت في ارتفاع محدود لدرجات الحرارة، ربما بسبب نشاط بركاني تزامن مع تغيرات في مدار الأرض.
لكن هذه الزيادة الصغيرة قد تكون دفعت النظام المناخي إلى ما يشبه «نقطة التحول»، لتبدأ بعدها سلسلة من التغذية الراجعة.
فمع ارتفاع الحرارة، تحررت كميات إضافية من الكربون من خزانات طبيعية حساسة للحرارة، ما أدى بدوره إلى زيادة تركيزات الكربون في الغلاف الجوي وارتفاع درجات الحرارة أكثر، لتتكرر الحلقة وتتسع آثارها.
وهكذا، تحولت شرارة مناخية محدودة إلى موجة احترار واسعة، في مثال يوضح كيف يمكن للتغيرات الصغيرة أن تتضخم عندما تتداخل مع آليات التغذية الراجعة في النظام المناخي.
المحيطات دفعت الثمن
لم تتوقف تداعيات الاحترار عند ارتفاع درجات الحرارة، بل امتدت إلى المحيطات التي شهدت تغيرات خطيرة في مستويات الأكسجين والكبريت.
وكشفت الدراسة عن أدلة على انتشار مياه فقيرة بالأكسجين وغنية بالكبريت في الطبقات العليا من البحار، وهي ظروف شديدة الصعوبة بالنسبة إلى العديد من الكائنات البحرية.
اقرأ أيضا: آيتن عامر تتألق في أحدث جلسة تصوير على البحر
وفي الوقت نفسه، تراجعت أعداد وتنوع بعض أنواع الكونودونت، كما انخفضت أحجامها وتغيرت الأنواع السائدة، بينما تأثرت مجموعات بحرية أخرى، من بينها الفورامينيفرا والذراعيات.
وبذلك، لم يكن الاحترار مجرد تغير في درجات الحرارة، وإنما تحولًا بيئيًا واسعًا انعكس على الكائنات البحرية وقدرتها على البقاء.
هل يحمل الماضي تحذيرًا للمستقبل؟
هنا تكمن أهمية الدراسة بالنسبة إلى العالم المعاصر، فالباحثون يرون أن سجل الأرض القديم يقدم درسًا مهمًا حتى النظام المناخي الذي يبدو مستقرًا وباردًا يمكن أن يدخل في سلسلة من التغيرات المتسارعة إذا تعرض لدفعة حرارية كافية.
ويحذر العلماء من أن ارتفاع الحرارة قد يؤدي إلى إطلاق المزيد من الكربون من الخزانات الطبيعية، إلى جانب إضعاف قدرة المحيطات على الاحتفاظ بمستويات الأكسجين الضرورية للحياة.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن المقارنة بين ذلك العالم القديم وكوكب الأرض اليوم يجب أن تتم بحذر، إذ إن إعادة بناء المناخ قبل 304 ملايين سنة تعتمد على مؤشرات غير مباشرة، كما أن النماذج المستخدمة لا تستطيع استعادة جميع تفاصيل القارات والمحيطات ودورات الكربون في ذلك العصر.
لذلك، لا تقدم الدراسة تنبؤًا مباشرًا بمستقبل المناخ، لكنها تكشف شيئًا أكثر أهمية المناخ قد يتغير بصورة أسرع وأكثر تعقيدًا مما توحي به التغيرات الأولية، عندما تبدأ حلقات التغذية الراجعة في العمل.
وبينما يواصل العالم مواجهة ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون ودرجات الحرارة، تبدو صخور الأرض القديمة وكأنها تحتفظ برسالة تحذيرية عمرها 304 ملايين سنة أحيانًا لا تكون المشكلة في الشرارة الأولى، وإنما في ما يمكن أن تطلقه بعدها.
اقرأ أيضا: جامعة الأزهر تفتح باب التحويل للطلاب الوافدين.. تعرف على الموعد والشروط